شهريار لم يكن عربيا

213
ما دفعني لأكتب هذه الأسطر هو في الحقيقة تأمل بسيط في إحدى الحكايات الشهيرة التي نالت قدرا مقدرا من الاهتمام والتحليل. حكاية استطاعت أن تبحر بأنفاس القارئ وسط محيط الخيال، تحبك قصة توج بها الزمان سلسلة من الخرافات، لكنها استطاعت إنقاذ بطلة القصة من مقصلة الإعدام ومن سيف الجلاد، وأنقذت به مملكة الأحلام، وتغيرت بها أحوال “كرمان”، قصة ألف ليلة وليلة. لا أخفيكم أنني كلما قرأت بعضا منها، شهدت ببراعة العقل السارد للقصة، ولا عجب أنها كانت محط اشتغال المحللين والنقاد لسنوات. شهرزاد الذكية والمحبوبة والقريبة من الشعب مع أنها ابنة وزير السلطان، المثقفة الحكيمة ذات البصيرة النافذة، هي في الحقيقة تمثيل مركب لمجموعة الخصال التي يصعب على كائن من كان أن تجتمع فيه. شخصية خيالية كما تم الاعتراف به، مع ذلك هناك من أراد أن يخصص أكثر في مواصفاتها ويحاول مقاربة الوضع الذي عاشت فيه الشخصية الخيالية، وظروف نشأتها. كنت قد قرأت قبل سنوات “رواية” كما تحب أن تسميها صاحبتها، وإن كانت لا تشبه الروايات، للكاتبة الراحلة “فاطمة المرنيسي” تعنونها بـ: “شهرزاد ليست مغربية”، أخذت هذه الأخيرة جزءا كبيرا من صفات التحليل المجتمعي، وفصلت في نقطة جوهرية جعلتها السبب الذي يعوز صفة المغربية من شهرزاد الخيالية، التي كانت مثقفة متعلمة، قادرة، بفطنتها وبلاغة أسلوبها المكتسب من كثرة المطالعة والاحتكاك بالشارع، على فعل ما لم يستطع والدها فعله على رأس الوزارة. وهي تحكي المعاناة التي عاشتها الفتيات المغربيات أواسط القرن الماضي، خصوصا في مجال التعليم و”غاية التعلم”.

من المرحلة التي كانت فيها وظيفة المرأة البسيطة في المجتمع تقتصر على ما هو داخل البيت، في حرمان تام لأبسط الضروريات التي لم ينه عنها الإسلام ولم يحرمها، بل وحث عليها كل فرد كان ذكرا أو أنثى. إلى المرحلة التي تلتها قبيل استقلال المغرب الظاهري سنة 1956، حيث كلف الملك الراحل في 1947، محمد الخامس ابنته بإلقاء الخطاب الشهير بطنجة وقد أزاحت غطاء الرأس بعضا إلى الوراء، لتصير بعد ذلك أيقونة للتحرر، وفاتحة لعصر جديد ترافق فيه المرأة الرجل في جميع مجالات الوظائف حتى كادت تنسى أنها ليست هو!
إذن فقد أولت فاطمة وغيرها من الكتاب، ذكورا وإناثا، من أصحاب نظرية “féminisme” شهرزاد وأسرتها أهمية الدراسة. أما أنا ففي حقيقة الأمر، بدت لي شخصية أخرى، أحق بالذكر ولا يجب فصلها عن المذكور في الإحاطة، هي شخصية السلطان شهريار، السلطان الذي أنقذه الجهل من نفسه!
يراودني السؤال: شهريار، بالشخصية التي رسمها الكاتب في أذهاننا، أكان من الممكن أن يكون في الحقيقة عربيا أو مغربيا أو بطلا لقصة؟ أم كان سيكون مجرما سفاحا طاغية؟ أم غبيا، قاصرا، ليس أهلا للحكم ولا للسلطة؟ أم مريضا نفسيا لا يعرف إلا الجفاء والوحدة؟
بعبارة أخرى، على أي أساس قد نعاير هذا السلطان؟ وبأي منطق نلحقه؟
أبدأ بأول ما شدني في قصته وجعلني أفكر في الكتابة عنه: كيف امتنع هذا المتجبر عن قتل “رفيقته شهرزاد” بسبب خرافة لم تكملها. وكيف يكون هذا الذي سيؤجل العذاب لأجل معلومة قد علم في بدايتها أنها خيالية؟ دفعني الأمر إلى التساؤل، أكان مجمل الأمر أنها اقتحمت قلبه منذ الوهلة الأولى؟ أم لأنها كانت ابنة وزيره المعزول؟ أم لأنه كان يريد التوقف عن فعله المشؤوم ويحاول إيجاد من يعينه على ذلك، شخص مختلف، يشعره بتفرده وتميزه عن الآخرين!
في الحقيقة، كثرت علي الاحتمالات حتى ما عدت أستطيع الترجيح والمقاربة. ومع ذلك، قد أثير بعض الأمور إلى ساحة المناقشة، ولعل أول ما سأطرحه “شخصيته”، في محاولة لجرد أهم خاصياتها ومميزاتها. تميزت هذه الأخيرة بجملة من المتناقضات: كالصلابة والوهن، والشجاعة والجبن، والمعرفة والجهل!
فالصلابة صفة أورثها له مركز السلطان، والشجاعة صفة أورثتها له قرية “كرمان”، وأما المعرفة فمما جادت به كتب القصر على مر الأزمان! وأما الوهن فنتيجة الوحدة التي يعيشها السلطان، وأما الجبن فسببه ضعف ثقة بالنفس والخوف من صدق التنبؤ بخيانة أخيه “شهرمان”، وأما الجهل فبيت القصيد وجملة العنوان.
الجهل في شخصية “شهريار” هو جهل يشمل الجزء الأكبر من مناحي الحياة. هو في الواقع جهل مما لا يكون في العادة، لا يشبه الجهل بالمستقبل. هو مزيج بين الجهل بالنفس والجهل بالقرار. شهريار، الملك، لا يعرف من يكون، ولا يعرف دوره في الحياة، ولا يعرف واجبه تجاه الرعية -حتى قبل خيانة زوجته الأولى بسبب يعود إلى التفسير الأول لجبنه المذكور سلفا-، بل لا يجيد التمييز بين من يريد الخير لقريته ومن يكيد لها من ورائه المكائد والمصائد، وكل هذه عناصر مساهمة في مظهر السلطان المعرفي الذي يبدو فارغا من أي عقل أو تفكير.
بالموازاة مع هذا المظهر، تظهر صفة جديدة، تستطيع شهرزاد على عكس زميلاتها في الوظيفة المحتملة ممن سبقنها، أن توقظها فيه وتستثمرها، صفة من عمق الطفولة، يطلق عليها اسم “الفضول”.
نعم، لولا “الفضول” لما أبقى هذا الملك على حياة شهرزاد، وهو على وجه التدقيق، فضول علمي:(وإن كان مجال العلم هنا بحور من الخرافات والأساطير). لكنها كانت تحيط بجوانب ضعفه ومخاوفه من خلال ما سردته عليه الفتاة طيلة الأيام. حتى أعدته بتلك المعرفة إلى مرحلة لاحقة يتجرد فيها من الخصال النافية لمكانة سلطانه وتجعل منه ملكا للشعب، بل بطلا قوميا في زمانه!
إذا هل يمتلك رجل الواقع مثل هذا الفضول؟ أم أنه في أغلب الأحيان يترنح بين نوعين، فضول في فضول الأنثى، وفضول في غير الحاجة الملحة! ولن أزيد في التفصيل.
ثم لو كان هذا الخرافي عربيا، ما كانت ردة فعله ستكون عوضا عن طلب تكملة القصة، إسراع في القتل أم استمتاع بتعذيب ابنة الوزير المتهم بالتخوين بدافع “التشفي”؟ أم هو احتمال ثالث أكثر اختلافا؟! فالعرب وإن عرفوا بمكارم الأخلاق، فقد علمنا عنهم من الشدة والقسوة ما خلدته قصص التعذيب التي شهدت عليها الأرض والسماء!
كائنا من كان، وكيفما كان أصل هذا الإنسان، قد نستنتج من خلال ما ذكرته فيما سبق من ملاحظة وتحليل، أن فضول المعرفة والرغبة في التعلم قد يكون المنجي للإنسان من شرور نفسه، ومن شر ما يتخبط الشيطان به البشر.
فما أكثر قساة القلوب في زمننا من رعية وحكام! وما أحوجنا إلى من يمتلك القدرة على أن تحركه معلومة، تدفعه على مرارتها وقوة صيغتها إلى تملك الحقيقة. فتغيره وتصلح حاله، فينعكس ذلك على استقراره ومنه على أسرته ثم على المجتمع الذي يعتبر جزءا منه، مؤديا باتزان كل الوظائف التي توكل إليه كإنسان… بلا ظلم ولا عدوان.