لماذَا كان الضادُّ مُفارقًا لغيره؟

385
لقد أصبح البعضُ من مفكري هذه الأمة العربية في زماننا يستثقلُ مثل هذه المقدمة ويستنكرُ الاستفتاح بها فِي غير الكتبِ الدينية، فما الطَّائِل من وراءِ إقحامِ المشاعر العقدية والذكر والدعاء في مقدمة مؤلف فكري أو أدبي أو علمي؟! ورأيتُ أحد الحداثيين العرب يقول إنَّ لمثلِ هذه الفذلكات الدينية كتبًا ومصنفات متخصصة في الدين تشملها، فلا تشرِّدُوها هنا وهناك في كل تخصص، إذ ليست الكتب التي تعالجُ مسائل دنيوية أو كتب العلم والمعرفة أو كتب الإنتاج الإنساني من مقاماتها. كما أنَّ أكثر كُتَّاب هذا العصر أصبح ينظرُ إلى مقدمةِ الحمد والثناء نظرة الإنسان المعاصر إلى عادات وتقاليد موروثة، يتوقف أمرها على شخصيةِ الكاتب نفسه. فمنهم متمسكٌ بها محافظٌ عليها لأنَّ طبعه الأصالة، ومنهم متخلٍ عنها مهمل لها لأنَّهُ ابن زمانه يتركُ كل ما ليس لزمانه، وفِي الواقعِ، ليس الأمرُ كما يتصورهُ هؤلاء جميعًا. فهي لا ترتبطُ بالدِّين ولا بالموروثات كما يعتقدون، كما يمكنُ لأي كاتب أن يتخلى عنها ولا يلومه على ذلك لائم، ولا هو بذلك آثم، وإنَّما تتعلقُ بمدى شعور الكاتب العربي بالامتنان لأنَّهُ يستعمل هذه اللغة الخلاقة وهي تطاوعه وتعبُرُ داخلَه وتفصح عمَّا يكنه. أما علماؤنا ومفكرونا وأدباؤنا القدامى الذين خلفوا إرثا معرفيا وثقافيا لا يُقدر بالدنيا وما فيها ثمنًا، فإنما حافظُوا عليها وجعلوها ديباجة جهودهم الفكرية تأدبا وامتنانا وعزةً. لأنهم عرفوا هذه اللغة وتفقهوا فيها كما لم نفعل نحن، فقدروها حق قدرها، وكانت كلماتهم كأنَّها تسجدُ شكرًا لله تعالى أن جعلهم أهلا لهذه اللغة العظيمة وفتح عليهم وكرَّمهم بها، لأنها لغة فكر وتفكر، كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول:” تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة”. كما أنها لغة مباركة بحق، إذ أنَّ نظامها ثابت ومع ذلك لا حدود لآفاقها، ومردُّ ذلك إلى طبيعتها الاشتقاقية التي جعلتها مهيعة، وكأنها السماء واللغات أسقفٌ، إلى جانب قدرتها على الإعمار إلى أجلٍ يعلمه الله وحده.


 

مقالات مرتبطة

وما كان للغة غير العربية أن تعمًِر كل هذا متماسكةً محافظةً على نظامِها، وسنة الله في الألسن وفي كل شيء خلقه أن يتغير ويتحول وإلَّا لفعل فيه الزمن واندثر. وما من لغة لَبِثت على حالِها أبدًا، وما من لغةٍ تدور فِي أذهان طائفة من البشر إلا وتطرأ عليها تغييرات جمَّة إذا تعاقبت عليها العصورِ حتى تتنصَّل تماما من أصلها الأول. إلا حبيبتنا لا يُنقِصُ مضي الزمن من جمالِها شيئًا، أصيلة وجميلة، وفتية عمرها قرون، فضلا عن إمكاناتها وطاقاتها، ولا علاقة لهذهِ الأحكام بالانتماءِ الديني، إنَّها الحقيقةُ المطلقة المثبتة بالأدلَّةِ الدامغة ولا يمكنُ لعاقلٍ أن يردها أو يلحد فيها أو ينكرها، وهذا ليس تعصُّبًا ولا قداسةً، فنحنُ لا نقدِّسُ لغة وقد ولى زمن قدَّس فيه الإنسان مجرد أشياء لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرًّا، بل نحبها، ونغرقُ في حبها، لأنها وبكل مكوناتها تستحقُ الحب، ولأنها آية نتدبرها. نتدبرها هي في ذاتها، ونتدبر نظم القرآن المعجز لجزيئاتها، ونتدبر استعمالنا لها، ونتذوقها، ونحاول أن نشعر بها، أن نعانقها، أن نتأملها، أن نعقلها، فنشعرُ بأنها أمٌّ تضمُّ قلوبنا، وتفلي أذهاننا تماما كما تفلي الأمُّ رأس وليدها، وتفتشُ أنفسنا، وبها نلفظُ كل ما يقلق داخلنا، وبِها تنطلقُ ألسنتنا حرة حافية تتحركُ بخفة ولا تتعثرُ، فهي لكل ذلك من آلاء الله علينا، أفلا نكون عبادًا شكورين؟ وحدهُ من يحبُّها حبًّا يليق بها يحرصُ على حمدِ اللهِ على نعمة العربية حمدًا يليق به. نعم نوافقكم معشر المعترضين! ليست الصناعة الأدبية أو أي صناعة أخرى مادتها اللغة مقامًا للتعبد والدُّعاءِ، ولكن ينبغي للمؤلف العربي ما لا ينبغي لغيره، لأنَّهُ يكتبُ بلغة استثنائية لها خصوصيات كثيرة، فيحقُّ لهُ أن يشكرَ الله الذي ألبس هذه اللغة روحانية مبهمة تشدهُ إليها، بغضِّ النظر عن ديانته، ليس شرطًا أن يدينَ بالإسلامِ ليفتتن بجمالِها وينبهِر بعبقريتها ويشكر الله على آيته. فكذلك اعتزَّ العربي بها وتبجَّح منذُ الجاهلية وعلى مرِّ العصور، إذ مما يروى في الكتب القديمة أن الحكمة لمَّا نزلت من السماء وقعت على ثلاث: أيدي الصينين وعقول اليونان ولسان العرب، وفي الحقيقة مردُّ هذهِ الحساسيَّة تُجاهها في زماننا هذا إلى كونها لغة القرآن المعجز، وكونِه أول أصولها وغاية غايات علمائها وأعظم دوافع أبحاثها، فطغى الظن أنَّ العرب يجلُّون لغتهم لا لذاتها وإنَّما لتشريف القرآن لها، وهذا ما يجعلُ أولئك الذين أصبحوا يفسِّرون كل الظواهر بصورة دنيوية بحتة بعيدًا عن الدين يكرهون أن تُعطى أكثر مما تستحق، فهي ليست أكثر من مجرد نظام لغوي تواصلي تواضعت عليه طائفة من البشر، وهو مُسخَّر ليُعبر الإنسان بِه عن أغراضه ويمكنُ أن يتصرف فيه كيفما يشاء، فمن غير المعقول أن يستبد العبدُ بالسيد، أو أن يقدِّس المُوجد الموجود، كما ورد في غربال ميخائيل نعيمة، ونحنُ لا ننكِرُ هذا، نعم إنما هو مجرد نظام لغوي تواصلي، وليس من تعاليم ديننا ولا من شرائعه أن نقدِّس هذا النظام، ولكنَّ الحقائق العلميَّة الدقيقة غير القابلة للمناقشةِ أو الدَّحضِ المُحتواة فِي الكتبِ اللغوية التراثية والحديثة، وفِي نتائج الأبحاث والدراسات والإحصاءات المختلفة، تُؤكِّد أنَّ قدرات هذه اللغة وطاقاتها الكامنة أعظم مما ينبغي لمجرَّد نظام تواصلي. لذا فلا غرابة أن تكون العرب أفصح من خاطب وأبلغ من قال وأحكم من أوحى. أمَّا السؤال المشروع والمنطقي هُنا فهو ما الَّذِي يُميز نظام العربية عن غيره؟ وما تلك الخصائص والإمكانات التي تجعلها لغة خلاقة؟ وأين تكمنُ مزيتها هِي فِي ذاتِها بعيدًا عن العقيدة والقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر الجاهلي؟ الجوابُ أن تقول باقتضاب: إنَّ العربية لا نهاية لها، تمكِّنُ مستعملها ممَّا يقصرُ عنه من يستعملُ أي نظام تقديري آخر على وجهِ الأرض.
وهو جوابٌ موجزٌ لا يمكنُ تفصيله وتفسيره وتوسيع شرحه فِي مقامٍ واحد ولا فِي مقاماتٍ معدودةٍ. فكلُّ مستوى من مستويات اللغةِ أصبح علمًا قائما بذاته، ولكل علم فروع عديدة، ولكل فرع أبواب جمَّة، ولكل باب وجوه كثيرة لا تعدُّ ولا تحصى. وكلُّ خصيصةٍ من خصائصِ العربيَّةِ تصلحُ لأن تكونَ دراسة ناضجة تمسُّ جوانب شتَّى من نظامها المتكامل، ولله الحمد والمنَّة فقد قيَّظ لهَا عباقرة أفنوا أعمارهم وزهدوا في الدُّنيا فِي سبيل جمعها وتدوينِها ووضع قواعدها وتحليلها والكشف عن أسرار قُوَّتها وإبراز مواردها بمناهج قويمة. حتَّى أتخمُوا الدَّرس اللغوي وسبقُوا غيرهم بقرون سحِيقَة، ولم يعثر خلفٌ أتى من بعدهم وورِث عنهم الفكر اللغوي الفذ على مجالٍ واحدٍ أهملوه أو أغفلوه أو تقاعسوا عنه ليبدع فيه فيثبت نفسه وينسل من جلباب سلفه، اللَّهم سوى بضع إضافات طفيفة.