ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

968

في وقت سابق من الشهر الماضي كنتُ نشرتُ مقالاً عن متحف اللوفر، وبعض الخواطر عن الفن ودور المتاحف في تاريخ البشرية، بوصفها ذاكرةً لحفظ تاريخ الشعوب والحضارات. وفي زيارتي الأخيرة للجمهورية التركية حرصتُ على زيارة بعض المتاحف، كعادتي دوما في كل الأسفار التي أقوم بها، منها متحف العلوم والتكنولوجيا الإسلامي، الموجود مقره بمدينة إسطنبول الجميلة. وقد استحق هذا المتحف بجدارة أن أخُصَّه بالحديث في هذا المقال، اعتبارا لأهمية الفكرة التي قام على أساسها، والتي سأبسط القول فيها فيما يأتي من تفاصيل.

وقبل الشروع في الحديث عن هذا المتحف ومضمونه وأهدافه، لا أجد بُدّاً من الاعتراف بأنني لم أكن أتوقع أنني سأُعجب بهذا المتحف كثيرا، ولا توقّعتُ أنني سأتأثر ببعض الأشياء التي اكتشفتها فيه. بالأحرى كنتُ أتوقع أن لا تخرج فكرة المتحف عما اعتدنا سماعه في الكثير من الأحيان من تباكٍ وحسرة على الماضي والمجد التليد التي ضاع واندثرت معالمه؛ ذلك أنه قد صار ديدناً للكثير من المسلمين الحديثُ عن تاريخهم العلمي والحضاري بالطريقة ذاتها التي كان يبكي فيها الشاعر العربي القديم على الأطلال في مطلع قصيدته ! ثم في مرحلة تالية، نسمعُ، في محاولة يائسة، تفسيراً اختزاليا للموضوع: “إننا كنا متقدمين علميا وحضاريا، عندما كنا مسلمين حقيقة، متشبتين بالدين”. وبمفهوم المخالفة، نحن اليوم متخلفون ومُصنَّفون في أدنى الدرجات بين الدول والأمم لأننا ابتعدنا عن الدين !
طبعا، من الوارد جدا، بوجه من الوجوه، أن يكون جزءٌ من هذا التفسير له نصيب من الصحة، لكن المؤكد أن التخلف والجهل والتردي العلمي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي الذي نعيشه اليوم لا يمكن، بأي شكل من الأشكال، أن يُختزل اختزالا في الابتعاد عن الدين. وبعيدٌ أن يكون مشكل مركب معقد يقبل تفسيرات بسيطة من هذا الحجم، لكن التفسير الأقرب، في نظري، إلى الصحة أن هذا التخلف نتيجةُ أسباب متظافرة، على رأسها عدم الأخذ بالسنن الكونية، وعدم الأخذ بأسباب التقدم في جميع مجالات العمران البشري. وقد أحسن شكيب أرسلان في كتابه: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”، إذ جعل سبب هذا التأخر أسباباً، أوصلها إلى تسعة أسباب رئيسة، من أهمها الجهل والمعرفة غير الناضجة، والفساد السياسي والعلمي والأخلاقي، وغيرها من الأسباب.
وفي هذا الكتاب، جعل شكيب أرسلان فقدان الثقة في الذات من أسباب هذا التأخر، لكني أرى أن فقدان الثقة في الذات هو من أعراض هذا التخلف وليس سببا من أسبابه، لأننا لا نجد سببا لفقدان هذه الثقة إلا في التخلف الذي تعيشه الأمة.
إن فقدان الثقة وعدم الاعتزاز والفخر بالهوية والذات، بسبب انعدام قدوات حقيقية مسلمة في شتى المجالات، سواء كانت علمية أو زعامات سياسية أو كتابا كبارا أو لاعبين أو مفكرين كبارا أو غير ذلك، أدى إلى بروز محاولات كثيرة لتفسير هذه الوضعية، لكن ظلت أطروحة الابتعاد عن الدين هي الغالبة على الكثير من المحاولات. ولذلك أعتبر أن محاولة شكيب أرسلان متميزة جدا في مجالها، من كونها لم تختزل التفسير في شيء واحد، بخلاف تفسيرات أخرى كثيرة، التي تُرجعه إلى الاستبداد السياسي أحيانا، كما فعل الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، أو إلى البعد عن الدين أحيانا أخرى، كما نجد في كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”، لأبي الحسن الندوي، فرغم تخصيصه فصلا لدور العلم والتكنولوجيا والريادة العسكرية لنهوض الأمة مرة أخرى، إلا أن أطروحته في الجملة ظلت تتمحور حول الدين وأهميته في تقدم الأمة وعودتها إلى الساحة العالمية.


لأَعُد إلى متحف العلوم والتكنولوجيا الإسلامي، والذي جاءت زيارتي له بعد حصولي على بطاقة تسمح لي بالولوج لجميع متاحف إسطنبول، قصدتُه للزيارة والاكتشاف، والاطلاع على مضمونه، بعد العلم بالفكرة التي كانت وراء تأسيسه، وهي تجلية مرحلة من المراحل المهمة والمهمَلة في نفس الوقت من تاريخ العلوم، وهي مرحلة الحضارة الإسلامية والتي امتدت لثمان قرون من القرن الثاني الهجري إلى نهاية القرن العاشر؛ فقد ساد لدى المؤرخين للعلوم أن النهضة الأوربية الحديثة قامت أساسا وبشكل مباشر على الإرث العلمي الإغريقي، وتم تجاهل دور علماء المسلمين في تطوير ما تلقوه عن اليونان وما اخترعوه من تلقاء أنفسهم، أو بنوه على ما نقلوه من اليونان أو من الحضارات الشرقية.
وهذه المبادرة قام بها الباحث والمؤرخ التركي الشهير، وأستاذ تاريخ العلوم الإسلامية، فؤاد سيزكين، والذي تابعنا جنازته المهيبة العام الماضي بحضور الرئيس التركي شخصيا رجب طيب أردوغان، وقد كانت غايته سد هذه الفجوة، وإبطال هذا التصور بأدلة ملموسة مجسمة.
يتكون هذا المتحف من اثني عشر ميدانا متخصصا، وهي الفلك، الملاحة، الساعات، الآلات الحربية، الفن المعماري، البصريات، المعادن، الجغرافيا، الكمياء، الهندسة، الرياضيات، الفيزياء، والطب.
وقد استطاع فؤاد سيزكين أن يجمع من كل بقاع العالم أكثر من خمسمائة قطعة تمثل نماذج لاكتشافات علماء المسلمين في جميع المجالات العلمية، حصل عليها إما من خلال متاحف العالم، أو هو نفسه استخرجها من مؤلفات العلماء في هذا المجال، وهذا من مميزات العلماء المسلمين أنهم كانوا يحددون الآلات التي كانوا يستعملونها بالوصف اللغوي، فيمكن وضع مجسمات لها اليوم حتى إن لم يتم العثور على أية واحدة منها.
والمتحف يبين لنا كيف كان المسلمون في حقبة طويلة تمتد من القرن الثاني الهجري إلى نهاية القرن العاشر، مقبلين على العلم، محصلين له، وتواضعوا للتعلم على أيدي العلماء، واعترفوا للغير بالفضل، ثم استطاعوا أن يطوروا ما تعلموه، وأن يضيفوا ويعدلوا فيه، ولم يكونوا مجرد مستهلكين. فالترجمة للعلوم الاغريقية لم تكن إلا الخطوة الأولى في الطريق، تلتها خطوة أخرى هي النقد والتعديل والتصحيح والتطوير. يقوم المتحف على فكرة أساس، وهو أن تاريخ العلوم تاريخ موحد، لا يمكن التجزئة فيه، ولا يمكن تجاهل مرحلة من مراحله.
ولعله سيكون من الممل لك عزيزي القارئ أن أسترسل في سرد كل محتويات هذا المتحف، ذلك أنها كثيرة جدا، وبإمكانك الاطلاع عليها بالصور ببحث بسيط عبر الأنترنيت، لذلك سأكتفي بالإشارة إلى بعضها.
بعد دخولك للمتحف ستجد عرضاً لبعض الكتب العلمية في مجالات مختلفة، منها كتاب “التصريف لمن عجز عن التأليف” للطبيب الزهراوي الذي ينتمي للقرن الرابع الهجري؛ وكتاب “الجامع بين العلم والعمل” لابن الجزري القرن السادس الهجري في الفيزياء، وكتاب “جامع المبادئ والغايات” لأبي الحسن المراكشي في الفلك.
كما ستجد فيه صورا متخيلة لأبرز العلماء المسلمين، كجابر ابن حيان مؤسس علم الكيمياء كعلم تجريبي ونظري، وصورة لأحمد بن محمد بن كثير الفرغاني مؤلف أول كتاب عربي مرجعي في الفلك، وصورا لأبرز الأطباء المسلمين كالرازي والزهراوي وابن رشد وابن زهر وابن سينا وغيرهم.
بالإضافة لذلك يحتوي المتحف على مجسم للكرة السماوية لعبد الرحمن الصوفي، وإسطرلاب زورقي على أساس مبدأ دوران الأرض حول نفسها، لأبي سعيد السجزي، وخريطةٍ للعالم لأبي عبد الله الإدريسي، والخريطة التي أمر الخليفة المأمون بإنشائها وشارك فيها العديد من الجغرافيين والعلماء، بالإضافة إلى مراصد فلكية كثيرة أشهرها مرصد مراغة الذي بناه العالم نصير الدين الطوسي ومرصد سمرقند الذي أسسه محمد طرغاي بن شرهور ودار رصد في اسطنبول الذي أمر ببنائها مراد الثالث، وأشياء أخرى كثيرة، كإسطرلابات وآلات لاستخراج ارتفاع الكواكب وقياس الارتفاعات.
ويحتوي المتحف كذلك على بعض الاختراعات التي اخترعها علماء المسلمين، منها طريقة البيروني لاستخراج درجة الأطوال، ومجموعة من البوصلات التي طورها ابن ماجد، وقياس المساحات في المحيط الهندي بدقة على يد الملاحين العرب، ومختلف أشكال الساعات الشمسية والشمعية والمائية والزئبقية والميكانيكية، والميزان والمضخات والناعورة والطاحونة، وآلات رفع الأثقال، والقفل بالأرقام السرية في القرن السادس الهجري، وبصريات كمال محمد بن الحسن الفارسي في القرن السابع، وأقدم نسخة لتشريح العين لحنين بن إسحاق، وكيفية اكتشاف الدورة الدموية لابن النفيس، وعدد من آلات الجراحة عند المسلمين، والآلات الحربية وغير ذلك، مما يتعذر ذكره في هذا السياق على وجه الحصر والاستقصاء.
زيادة على ما سبق، يتضمن المتحف مجموعة من المراجع الشاملة في بعض العلوم كالكامل في الصناعة الطبية لعلي بن العباس المجوسي، والمعالجات البقراطية لأبي الحسن محمد بن أحمد الطبري، ومبادئ أساسية لعلم الكيمياء لجابر بن حيان وغيرها.
إن جولة قصيرة في هذا المتحف –متحف العلوم والتكنولوجيا الإسلامي- من شأنها أن تحول ذلك الشعور بفقدان الثقة وعدم الاعتزاز بالذات وبالهوية إلى ضده؛ ذلك أنك، بوصفك مسلما يعيش قلقا حضاريا، حين تنظر في كل ما يتضمنه هذا المتحف تشعر باعتزاز كبير بتاريخك وحضارتك، وتدرك أن الأفضل كان ممكنا، لولا انحرافنا عن المسار الصحيح، وستدرك، في الوقت ذاته، أن هذه المرحلة التي نعيشها ما هي إلا مرحلة من مراحل الدورة الحضارية، وستمر. لكن من المؤكد أن ذلك لن يتم إلا بالرجوع إلى الرشد، بالأخذ بالأسباب وبالتحصيل العلمي الصحيح، وبالتواضع والتعلم من الآخرين، الذين أصبحوا يتفوقون علينا بأشواط لا تحصى. طبعا دون أن يبعثنا ذلك على فقدان الثقة بذواتنا؛ لأن الإبداع والاختراع لن يتم بذوات هشة مهترئة، فالاعتزاز بالذات والاعتداد بها شرط أساس لأي إبداع أو اختراع أو تميز.