مهنة التأثير ونتائج التأثر

260

سابقا كان الناس شيوخا وشبابا يَعْتبِرون من الأولين من قصصهم وحكمهم وتجاربهم وفشلهم ونجاحهم. كان الاهتمام يستحوذ فقط على الأمور العلمية والأدبية والأخلاقية والاجتماعية. مدارسهم كانت عبارة عن أقوال ورثوها عن أجدادهم أو كتب تم الحفاظ عليها لما تشمله من معلومات قيمة أو آثار حفرت على صخور أو فنون راقية بيِّنة على معمار. حتى صار للموضوع اليوم قصة أخرى وظهرت طرق أخرى لتوارث الأفكار بشكل عشوائي جدا عبر امتهان مهنة التأثير التي اخْتُرِعت في الآونة الأخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هي مهنة بدون رقابة أو تقنين، فللجميع إمكانية التأثير، والجميع أيضا هم عرضة للتأثر.

مقالات مرتبطة

إن هذه الصلاحية خطرة إلى حد تزوير الحقائق، ورغم ذلك فهي في متناول مجهولي الهوية، وقد منحت لهم دون البحث أو النظر في سيرهم أو مستواهم الفكري والثقافي. وذلك عن تجاهل تام من أجل كسب أموال طائلة بخلق العناوين الكاذبة كإحدى الأساليب. للمؤثرين أهداف متشابهة بين الربح المادي واكتساب قاعدة جماهيرية وشهرة مميزة. ولكن طرقهم تتغير وتختلف بين من يقوم بإنتاج محتوى مؤطرا لتقديم إفادة أو تسلية للمتابعين، وبين من يقوم بنشر الفضائح والأخطاء الشائعة والجهل، وبين من يحاول تغيير مسارات الشعوب بالتلاعب بأفكارهم ومعتقداتهم تحت طلب جهات معينة مستفيدة من الوضعية. ناهيك عن من يساهم في التشجيع على الاستهلاك المفرط للمنتوجات. كون الذوق العام قد أصبح في اتجاهات غريبة صار بإمكاننا أن نقول قولا واحدا بأن الجيل القادم جيل ضعيف الشخصية، لا يميز بين الخطأ والصواب وليس أهلا لأن يختار بتاتا. لأن لكل فرد منهم شخص يتحكم في آرائه وهو جالس على مقعد خلف شاشة هاتفه الصغيرة في الجزء الآخر من الكوكب. حيث أصبح محبا للون معين لأن مشهورا يحبه، ويشجع فريقا لأن فلانا يشجعه وهكذا… لا شك أنه من الرائع والمميز أن نسافر في دول العالم وأماكن بعيدة من خلال مشاهدة فيديوهات السفر، ونتعرف من خلال تجارب الآخرين على ثقافات وعادات لم نكن نتوقع وجودها. وأيضا من الممتع أن نرى موهبة أو إبداعا إن كان فنا أو حرفة لندعمها، وكذلك أن نستمع لمحاضرات عديدة لنتعلم منها علما أو تجربة نافعة أو نصيحة ثمينة. ولكن للوقت علينا حق وهو غال لا يمكنه الانتظار، فهو كالقطار السريع إذا ما بدأ في الإقلاع وغادر استحال إدراكه ولو بعد مجهود كبير. سنكون دائما متأخرين على المواعيد والنهايات، وستظل أعمالنا غير مكتملة وإنجازاتنا ناقصة إذا واصلنا الانشغال بخزعبلات العصر. لكن الجيل الحالي يملك نظرة مغايرة وأهدافا تافهة. المظاهر والأزياء قد جردته من آلة التفكير. وتغيير الأقنعة بين الفينة والأخرى أصبح عادة جاري بها العمل وشيء طبيعي وسط كل هذا الضجيج. لم يعد هناك مصداقية في جميع المجالات. فبدأت الجرائم والصراعات تتكاثر هنا وهناك، والظواهر الغريبة قد تحكمت في عقول الكبار قبل الصغار، حتى وصل بنا الأمر إلى هدم الأسس القوية التي كان علينا التمسك بها لنبني عليها مستقبل الإنسانية جمعاء.

إن قواعد البرامج والمواقع الاجتماعية قد نُظمت لهدف التواصل. غير أن النتائج المحصل عليها هي عكس ما كان مفروضا أن يكون. بل وبعد كل هذه الحدود الوعرة التي وضعت بسببها بين العلاقات الاجتماعية قد دلت الإحصائيات على كون هذه المواقع وهذه المهن هي إحدى أسباب انتحار معظم المراهقين جراء التفاوت المادي بينهم وبين الأشخاص الآخرين، فالمراهق دائما ما ينخدع بالصور العالية الجودة للأماكن الخلابة الراقية والعلامات التجارية الفخمة ويرتبك وسط كل هذا ليفقد في الأخير كل ثقته بنفسه وبعالمه البسيط. لذلك من المطلوب ممن اختار لنفسه هذه المهنة أن يكون مسؤولا عن نفسه أولا ثم عن متابعيه، وأن يلتزم بشروط الإلقاء وأن يكون عند حسن الظن وصادقا في أعماله. كما قد بات من الواجب رن جرس الإنذار لتوقيف كل المشبوهين بهم وإنقاذ الجنس البشري قبل أن يتكاسل عن التفكير تحت تأثيرهم.