الفقر..

150

يعرف الفقر بعدم  القدرة على تحقيق الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، وينظر إليه على أنه حالة يعجز فيها الإنسان بسبب مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية عن تلبية حاجاته المادية والمعنوية في ظل نظام اجتماعي وثقافي محدد.

والفقر هو الوجه الآخر لصور التمييز الاجتماعي واللامساواة  وانعدام العدالة.. الفَقْرُ هُوَ مَا نَذُمُّهُ .. 

و قد أكدت دراسة حديثة بجامعة ستانفورد الأمريكية أن الفقر يغير من طريقة تكوين و تشكيل الدماغ بصورة واضحة جدا، و هناك دراسة أخرى أجريت  برومانيا قام بها العالم روبرت سابولسكي،  كشفت أن الضغوط المزمنة التي يمر بها دماغ الطفل الفقير لفترات طويلة ومتعاقبة يؤدي إلى دمور في أجزاء من الدماغ ويمكن معالجة هذا الدمور نسبيا إذا انتُشل الطفل في مرحلة مبكرة من العمر من بيئته الفقيرة ماديا ومعنويا وثقافيا واجتماعيا ووُضع في بيئة صحية وسليمة.

من أخطر الدراسات الحديثة تلك التي قام بها عالم النفس مارك كيشياما، فهي تؤكد أن بعض وظائف الدماغ لطفل في التاسعة أو العاشرة الفقير مقارنة بنظائره من عائلات أسر الدخل المتوسط يعادل الفرق بين دماغ أصابه ضرر جراء الإصابة بجلطة في الدماغ بالفص الأمامي مقارنة بدماغ سليم. هذا الجزء المعطوب من الدماغ هو الذي يتحكم في التفكير المعقد و حل المسائل و المشاكل.

توصيات مهتمة للثاني عشر لاتحاد الأطباء النفسيين العالمي باليابان كشفت أن السبب الأول للأمراض النفسية والتي تعتبر أكبر المشاكل الصحية انتشارا في القرن 21 هو الفقر .

لقد توثقت هذه العلاقة الطرفية  بين الفقر والمرض النفسي، فكلما زاد الفقر زاد المرض النفسي بصوره المختلفة والتي من أهمها القلق والإكتئاب والفصام والوسواس القهري والإدمان.

و تشير الأدلة العلمية إلى أن أدمغة الأطفال والفقراء تختلف عن أدمغة نظرائهم من الطبقة المتوسطة بأربعة أنواع من الأحداث و التفاعلات البيئية والظروف الحياتية.

-1- النوع الأول يتمثل في التعرض للسموم  بأنواعه المختلفة سواء كانت سموما في الغذاء كالأغذية الملوثة أو سموما في الهواء.

-2-  و الثاني من خلال التعرض المزمن للضغوط النفسية والتي تؤدي إلى ارتفاع هرمون الكورتزول بشكل حاد لفترات طويلة.

-3- و الثالث يأتي من حرمان الطفل الفقير من البيئة الغنية بالمحفزات والتي تربي المهارات وتنمي المَلكات.

مقالات مرتبطة

ذاكرة الماء..

التعليم التفاعلي..

-4- و الرابع يتولد من ضعف العلاقات  العاطفية والاجتماعية نتيجة ضعف دعم الوالدين وعدم اهتماماتهم بإنجازات أطفالهم.

أثمن و أغلى ما يملكه أي مجتمع هم الأطفال، والأضرار الناجمة عن الفقر على الأطفال لا يمكن وصفها بأقل من كارثية ولا تنحصر هذه الأضرار في  شح المال والغداء ورداءة المسكن، ولكن أيضا في شح التربية النفسية والسلوكية وتدني مستوى الوعي، مما يجعل الطفل عرضة لمواقف سلبية  في سن مبكر كي يعيش ثقافة الشارع من سلوك منحرف أو عدواني وربما يكون ضحية لتحرشات واعتداءات لا تكتشف، إضافة إلى السرقة والتدخين والمخدرات والتدني الأخلاقي والجهل.

۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” التوبة، الآية60.

عالج الإسلام الفقر بوسائل متعددة ورسم طريق العدالة الاجتماعية ففرض الزكاة وحث على الصدقة ونظّم إدارة المال في المجتمع، وفي التنزيل العزيز ما يؤكد أن بقاء المال دولة بين الأغنياء واستئثارهم به دون الفقراء مؤذن بعقاب شديد،  يقول تعالى: ” مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”. سورة الحشر الآية7.

وإلى جانب فرض الزكاة والحث على الصدقة غلّظ ديننا العقوبة فيما يخص سرقة المال العام وجعلها من صور الفساد في الأرض، ورخّص للحاكم المسلم في التعزير في الأحكام إلى حد القتل ليكون السارق عبرة لغيره. ماذا ؟لأن هذا المال المسروق يسرق معه أجيالا وأجيالا بل ويقتل فرصة تكوين وتطوير وتشكيل أدمغة أطفال اليوم .

لقد أقر الإسلام مبدأ تكافئ الفرص وإرساء العدل بين أفراد المجتمع وأن توفر لكل إنسان مقومات الحياة الأساسية، ومن هنا فإن أفضل طريقة لعلاج الفقر هي تطبيق تعاليم الإسلام وتمثُّلُها كواقع عملي في حياتنا.

نعم الفقر يقتل.. يقتل عقل الطفل وبذلك يقتل أغلى ما في الإنسان وبقتل الطفل يقتل الجيل القادم بل  وتقتل أجيال وأجيال، ولذلك نسب إلى كل من سيدنا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما المقولة الشهيرة: لو كان الفقر رجلا لقتلته”، وليس في هذا ذم للفقراء وإنما حرب على الفقر ففيه ظلم للفقراء.. لقد جرماه وطبقا عليه أشد الأحكام حين حكما عليه بالإعدام لأنهما يعرفان ما يفعله الفقر بالإنسان.

 

عن سلسلة “وَمَحْيَايَ” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ : بوتشيش تيسير.