قطرات مطر

214

ها أنا ذا أجالس نفسي مرة أخرى، نفس الغرفة، نفس الطاولة، نفس الكرسي؛ نفس التفاصيل إلا أن الزمان مختلف، وحتما السبب مختلف، ترى هل ككل مرة؟ هل لأستمتع بطعم الوحدة؟ أم لأبتعد عن ضجيج كل ذرة تحيط بي؟ هل لأناجي خالقي؟ أو ربما لأعاتب نفسي..؟

حقا لا أدري، فأنا الآن لا أرى سوى فتاة تائهة، شاردة الذهن، تقعد قبالة نافذة، ترتقب هطول المطر، أجل هذه أنا في كل مرة أحس بحالة الضياع هاته، أنتظر قطرات المطر لتحييني من جديد، لتزيل عني كل فكرة، كل إحساس غير مرغوب، لأقف من جديد على قدمَيَّ وأنا أعبق أملا، وأنا أكثر قوة وأقل استسلاما، لأستجمع نفسي، لأحب الحياة كأنني لم أدرك قسوتها يوما.. ترى هل أنا أحوج إلى تلك الأمطار من نبتة جافة لم تُسْقَ منذ زمن بعيد؟ ترى هل أنا في أمس الحاجة إلى مشهد ممطر كي يصفو مزاجي المعكر وأنطلق من جديد؟

مقالات مرتبطة

ما هي إلا دقائق معدودة حتى تناثرت بضع قطرات على زجاج النافذة.. ارتسمت ابتسامة تفاؤل لا تتناسب وتعابير وجه كئيب، وجه يثبت مقولة أن الجسد لا يكذب، فهو يعكس بواطننا مهما تظاهرنا. انطلقت بسرعة ولهفة باتجاه الباب وكأن هذا سيكون آخر فصل من حياتي، لأجد نفسي أقف جامدة في منتصف الحديقة، أمد ذراعي نحو السماء، أستقبل أولى القطرات التي سرعان ما صارت أمطارا غزيرة، حينها توقف الزمان، أقفلت عينَيَّ، استسلمت للمطر.. ابتل شعري، ثيابي، جسمي..

أحببت قطرات المطر وهي تنزلق على وجهي، وتنساق نحو جسمي راسمة طرقا متشابكة.. أحببت صوتها وهي تتساقط.. أحببت ثقل ثيابي وهي مبتلة.. أحببت ذلك الشعور وأنا أرتجف من البرد.. أحببت رائحة التراب تلك، تلك الرائحة التي تعطل وظائف عقلي وكأنما احتسيت شرابا.. أخذت أحرك قدمَيَّ يمينا وشمالا، أراقص نفسي على نغمات الأمطار، أتمايل مع الرياح، أستمتع بروعة المشهد حد الارتياح، لتتسارع إلى ذهني فجأة أفكار مختلطة دفعة واحدة.. ترى، هل فعلا أرقص فرحا وسرورا؟ أم أن الحياة هي من تتراقص على جراحي وتجعلني أركع على ركبتَيَّ استسلاما؟

بدأت أدرك.. أتذكر.. أستحضر.. أستحضر الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد.. أستحضر الحلو والمر.. أستحضر لحظات الفرح والحزن.. أستحضر كم من أشخاص تمنيت اقترابهم فلما اقتربوا ابتعدوا.. أستحضر كم من أحلام تمنيتها بشدة، ولو صارت حقيقة لكنت أشد ندما على عدم تحققها.. أستحضر لطف الله بي، رحمته، رأفته.. فأخجل من نفسي ككل مرة.. أو أحزن والله لم يفارقني يوما، أو أتذمر والله يرزقني رغم أني لا زلت أتمادى في تقصيري مرارا وتكرارا.. فإذا بي أستجمع نفسي، أستيقظ من كآبتي وأستغفر إلهي، أبدأ مرة أخرى من الصفر كشخص حديث الولادة، بنفسية جديدة كلها تفاؤل، إرادة، عزيمة، طموح، قوة.. وكأنني أرزق حياة أخرى، وكأنني لم أستسلم لقساوة الأيام يوما.

أخيرا أفتح عينَيَّ مرددة في نفسي، ترى، كيف لقطرات المطر هاته أن تخترق جدران قلبي فتحييه من جديد؟ كيف لها أن تمسح كل فكر سوداوي تملك عقلي؟ أجل لقد فعلتها بكل سلاسة، لقد كان أثرها عميقا، أجل إنها تجعلني أعشقها كل مرة أكثر مما مضى.