المعادلة المتوازنة

260

نصف الجملة تقول أحيانا عكس ما تعكسه الجملة كاملة، لا..بل تقول أحيانا عكس المعنى المراد إيصاله للمتلقي. لذا يكفي أن تزيل جزءا من الجملة ليتغير معناها كاملا أو يفيد العكس. ويحدث هذا في جل المعلومات سواء المكتوب منها أو الملفوظ.

وأقوى مثال على ذلك ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى ” ويل للمصلين ” و تتمتها ” الذين هم عن صلاتهم ساهون “، حيث إن المعنى قد تغير تماما عن الرسالة التي أراد منا سبحانه وتعالى أن نتلقاها إذا ما توقفنا عند “ويل للمصلين ” دون أن نكمل تتمة الآية.

هناك آية أخرى تجسد بشكل رائع هذه الظاهرة، وهي في قوله تعالى: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان “، المعنى هنا قريب جدا من الرسالة إلى درجة المغالطة، وبهذا نجد أن الجميع يدعو ويطنب في الدعاء، ولا شيء يتحقق، ليس لأن الله عز وجل لا يريد تحقيق الدعاء، بل لأننا لم نكمل تتمة الآية لنعلم شروطها، حيث أتمها عز وجل بقوله ” فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون”.. ولكي تتوازن المعادلة بين الدعاء والاستجابة وجب أن يكون لنا دور في هذه الموازنة، وهو أن نفهم الرسالة كاملة ونحيط أنفسنا بجميع جوانبها الظاهرة منها والباطنة.. فالاستجابة ليست جزئية أو مؤقتة، بل هي نمط حياة … أن نعمل بالأسباب لنحصل على ما نريد، بما فيه من اتباع لشعائر الله و الاستجابة لأوامره

الرفع بالدعاء ليس هو عملنا الوحيد … ألم نسأل أنفسنا يوما لماذا الدعاء هوعمل ليلي تهجدي و ليس أبدا عملا صباحيا!؟ هو كذلك لأن الصباح للعمل والعبادة ، والعمل عبادة أيضا !

مقالات مرتبطة

يمر البعض بأزمات شخصية كبيرة فنجد الكل ينصح بالدعاء، وأن الله قريب … فلا نقوم بشيء سوى رفع الأكف للدعاء، و الحال أن الأمر ناقص بمضمونه، وحين لا يستجاب ما دعونا تبدأ الانتكاسة والإحباط، وهذا الأمر يولد أزمة مضاعفة، وينتهي بفئة قليلة إلى الإلحاد..  فقط لأنهم فهموا معنى الآية واستوعبوه ناقصا. لذا أتم الله عز وجل الآية ب “لعلهم يرشدون”، والرشد هو النضج ، والنضج هو ما يوازن المعادلة القائمة بين الدعاء والاستجابة..وليس أبدا تلك الكتيبات الرائجة عن الدعاء المستجاب والتي لا تستند على أي حديث صحيح .

نسأل أنفسنا باستمرار لماذا دعاؤنا لم يستجب؟ والحقيقة أننا تصورنا أن المطلوب هو الدعاء: أجل.. الدعاء مطلوب لكن بعد العمل، وهنا لن يخذلنا المولى أبدا … يكفي أن نكون صادقين في دعائنا وعاملين بالأسباب: يكفي أن نخضع للأوامر ونمتثل لسنة نبيه، وننزل بوجهنا للأرض للصلاة .. وتذكروا دائما: لن يخذلكم المولى ما دمتم لم تخذلوا أنفسكم !

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج”للدكتور أحمد خيري العمري.

تفريغ: رهام اليماني.