شيء من الجمال

1٬150

لكل منا حظه من الجمال، ولكل منا أيضا حظه من البشاعة والقبح، فالجمال ليس حكرا على مليحي الوجوه وبهيات الملامح ولا البشاعة خلقت لتكون الرفيق المخلص لذميم الخلقة وشاحبة البريق؛ فالمخلوقات كلها كيفما كان شكلها ومهما تغيرت ملامحها لها نصيب من الإثنين: الجمال والبشاعة.

في قصة جميلة لجبران خليل جبران يحكي فيها أن الجمال والقبح التقيا ذات يوم على شاطئ البحر، فقال كل منهما للآخر هل لك أن تسبح؟ ثم خلعا ملابسهما، وخاضا العباب. وبعد برهة عاد القبح إلى الشاطئ وارتدى ثياب الجمال، ومضى في سبيله. وجاء الجمال أيضاً من البحر، ولم يجد لباسه، وخجل كل الخجل أن يكون عارياً، ولذلك لبس رداء القبح، ومضى في سبيله. ومنذ ذلك اليوم والرجال والنساء يخطئون كلما تلاقوا في معرفة بعضهم البعض، غير أن هناك نفراً ممن يتفرسون في وجه الجمال، ويعرفونه مع ثيابه، وثمة نفر يعرفون وجه القبح، والثوب الذي يلبسه لا يخفيه عن أعينهم.

مقالات مرتبطة

الجمال الحقيقي غالبا ما يكون خفيا متسترا لا تستهويه البهرجة ولا الأضواء، له سر خاص يخفيه بعيدا عن الأعين والأيادي الممتدة، وهو ما نجده عند امرأة جاوزت سن الشباب وحسنه وتجعد جلدها الذي كان بالأمس رطبا أملسا، لكنها مازالت تحتفظ بجمال ساحر تترجمه في حبها لأطفالها أو إخلاصها لذكرى زوجها أو عطفها على يتيم محتاج أو كلمة طيبة تخرج من ثغرها…فتراها بعين القلب جميلة جمالا لا يوصف، تراها أجمل من صبية اغترت بقوامها وبريق عينيها فجعلت سلاطة لسانها سلاحها الفتاك في وجه الجميع.
والبشاعة تغريها الأضواء وتستهويها الشهرة فتكشف نفسها في أزياء ليست لها لا تنفك تسقط عنها عند أول منعرج لتكشف عن حقيقتها التي تحجبها بالبهرجة عن أعين الناس، تماما كأستاذ يدعي العلم والمعرفة ويصفق للأخلاق والقيم فيراه الناس رمزا للحكمة وداعيا للجمال، ثم لا ينفك أن يتحرش بطالبة شابة يقبع مستقبلها تحت رحمة قلمه مانحا لبشاعته الحق في إيذائها وإيذاء شبيهاتها.

بشاعتنا تنمو كفطر في غابة رطبة إذا وجدت الظرف المناسب، تنمو إذا وجدت كبرا طافحا أو حسدا مرضيا أو قسوة جارحة أو عقلا سطحيا أو جهلا متجذرا أو قلبا حاقدا…تنمو بسرعة ملتحفة أثوابا عدة، ثوب النفاق الاجتماعي، وثوب المصلحة، وثوب التملق، وثوب المجد الزائف وغيرها…أثواب مصيرها التلاشي وبشاعة مصيرها الانكشاف.
والجمال كعادته خجول ينفر من الضوضاء، فهو دائما لغز ينبغي منك حله، فجمال الوردة ليس في شكلها الذي سيذبل بعد مدة وإنما في رحيقها الكامن الذي تستخرجه النحلة وتحوله لعسل في دواء وشفاء دائم…ونحن كتلك الوردة، جميلون بالقدر الذي يكون فيه معنى لوجودنا، جميلون بكم الفرح والسعادة والعون الذي نمنحه لمن يحيط بنا، جميلون بكل ذرة خير تتسرب من أرواحنا لتسقي قلوبا جائعة للخير، جميلون بما ننتجه وبما يدوم، أما أشكالنا ووجوهنا فهي لا تعدو أن تكون ملامحا تتغير بتغير الفصول وتذبل بمرور السنون وتموت بموت الجسد…أما الجمال فهو خالد إلى أن تزول السماوات.