الحكمـةُ الأولـى

116

تتأتى الحكمة من الخبرات التي تنجم عن باب طلب العلم والتفاني في التجارب، فالحكمة لا تتأتى إلا بكثافة المعرفة وليس أي معرفة، إنما معرفة جواهر الأمور وكنهها، وملامستها حد الاحتكاك ببصيرة المرء، فتنتج عنها المعرفة الحقيقية، ومن ثم تتكون حكمة الإنسان، فالمعرفة السطحية والمشكك بصحتها لا تسمى معرفة مؤدية إلى مراتب الحكمة العليا.

إن المعرفة بحد ذاتها لا تتم ببحث واحد أو اثنين، وإنما بالشك تجاه الأمر الذي يخلق لنا ألف سؤال، وكل جواب يقيني يقطع الشك هو برهنة لليقين الذي ينفي كل شك، فالتشكيك في الأمور التي تقود صاحبها إلى الحق بعد طوفان من الباطل أو التيه، لا يكون بالجواب المتسرع في وضعه، والباهتِ في طريقة إيجاده، لأنه ليس ناتجا عن تشكيك، بل عن مجرد سؤال بديهي عابر.

لذلك فإن حقيقة المعرفة تتأتى من التشكيك والرغبة في كشف الأمور وإزاحة الستار عن خفاياها، فليس كل باحث ومدرك للأمور حكيمٌ، وإنما كل دارس للأمور بعمق أو بالأحرى ملامسٍ لها هو حكيم، فبالنسبة إليّ المقياس الوحيد للحكمة هو مدى تعايش المرء مع الأمور، سواء التافه منها أو العظيم، فالتجارب التي بها مزجٌ من كل شيء هي التي تضفي ألوانا مختلفة على فكر المرء وروحه، فيكون متشبعا كفاية ليكون أكثر حكمة في كل الأمور القادمة، أو التي سيخوض معارك فكرية فيها لاحقا، فبعد المعرفة العميقة الأولية لا بد أن تتأتى حكمة صائبة في أواخر هذه التجربة التي خاضها المرء.

مقالات مرتبطة

من هنا يتبين أن الحكمة ليست كتبا تمر على أعين قارئيها، أو مقالات لكيف يكون المرء حكيما، فذلك قد يجعل صاحبه أكثر تفتحا وإدراكا نعم، لكنه غير كافٍ ليجعل منه حكيما صائب الرأي، فالحكمة بالمعرفة والتجربة معا؛ ومن عايش تجربة واحدة واقعية بمرها قبل حلوها ليس كمن قرأ ألف تجربة لم يعش منها شيئا في واقعه، فهنا تبرز أهمية أن يحتك المرء بتجارب مباشرة تعنيه وحده قبل الآخرين؛ كما أن هذا يجعلني أجزم أن الحكمة لا ترتبط بالسن أو بالأعوام الخالية للمرء، فما نفع السبعيني إن كان قد عاش عمرا فارغا، لا تعبره تجارب أو عثرات كثيرة أصابته بذهول أو صدمة اللحظة، فراح يبحث ويشكك هنا وهناك ليحمل المعرفة الصائبة والحكمة التي تبلغ ذروة الذرى في نهاية الأمر؟

لذلك ليس كل من شابت خصلات شعره حكيما، وليس كل صغير متهورا في عمق نظرته للأمور وموقف حكمته منها، فلا يستهن أحد منكم بالآخر، فلا أحد قد اطلع على موقف أو هنيهة من حياة الآخر كيف قلبت زوايا فكره رأسا على عقب، وحولته من أبله يقيس الأمور بسطحية إلى حكيم ينظر إلى جوهر الأمور ومضمونها، فإن كانت المعرفة هي الكم الهائل من الحقائق، فالحكمة هي خلاصة مبسطة لكل ذلك، وتطبيق مرافق لك في كل الأمور، كما أنها أعلى مراتب المعرفة والعلم، فأن تعيش عمرا تنجو في أواخره بالحكمة هي من غاية الغايات وقمة القمم؛ وهذا لا يعني أن الحكيم لن يخطئ وسيصوب السهم دوما إلى حيث يجب، لكنه يبعث نفسا مطولا دوما أمام الأمور الأكثر واقعية وجدية، فهو متأمل بعمق ومكرر لعادة الرجوع خطوات إلى الخلف لتذكر المعرفة وما تنص عليه، فيكون سيدَ موقف حكيم.

لذلك يمكن القول إن الحكمة ليست فطرية إنما اكتساب مع الوقت والمعرفـة، كما أنه لكل سؤال جواب، وما دام يوجد سؤال إلا وثم له جواب، تختلف فقط الحقب الزمنية للإجابة عن كل سؤال مطروح؛ لم أكن يوما أخاف الأسئلة أو أتهرب من إلقاء الرد، فإني باحثة عما خلف الأسطر والحقائق، وناقدة للأمور شاء الوضع أم أبى، فإن السكون حيال ما أتلقاه ليس بمغرٍ أو متساوٍ ولو بقليل مع شغف البحث وانتصار أن تبلغ، كلٌّ له سؤال يبلغك جوابه وكلٌّ وجد للتأمل ولتأخذه بعين بصيرتك، فتذكر أن ما من شيء يمنعك في كون فسيح أن تعد نِعَم الله وصنائعه لحكمة محمودة تبلغها، الحكمـة الأولى من المعرفة المائة.