لمَ المعاصي؟

129

 قال سبحانهُ وتعالى في سورة طه الآية121 (وَعَصَى آدم ربّه فَغوى)وقال سُبحانه كذلك في سورة الأحزاب، الآية 36 (ومَن يعصِ الله ورَسوله فقَد ظلّ ظلالاً مُبينا.

نَستحضر من خلالِ الآيتين الكريمتين تعريفاً مختصراً للمعصية والتي هي عكس الطاعة، فهذه الأخيرة هي العبادة الكاملة لله سبحانه وتعالى والإلتزام بأوامرهِ والإقتداء بنبيه خيْر خلق الله محمد صلى الله عليه و سلم، من اجتناب للنواهي ظاهراً وباطناً، وإخلاصٍ وصدقٍ وأمر بالمعروف؛ أما المعصية فهي نتيجة ضعف للإيمان، وذلكَ لأنها خروج عن الطاعة ومخالفة أوامر الشرع بسبب عدم القدرة على الصبر، أو القنوط من رحمة الله أو بغوايةٍ من عند الشيطان الرجيم.

وتنقسم المعاصي إلى نوعين :كبائر وصغائر..

 

يتساءل كثيرٌ منا عن سبب وقوعنا في المعاصي بالرغم من إسلامنا وإيماننا الجازم بيوم القيامة والحساب والعقاب، وكذلك بالرغم من تأملنا في أسماء الله الحسنى ،السميع،البصير،الرقيب ..فَلِمَ المعاصي؟ وما السر الكامن وراء قيامنا بها؟ وهل يستطيعُ الإنسان العيشَ عقيماً من المعاصي؟

 

  أسئلة كهذه تحتاج تأملاً وتدبراً، قال سبحانه و تعالى في سورة (ص) الآية 29 : (كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدبروا آياته)، ولكننا مهما تأملنا وتدبرنا ودرسنا بعمق وفسرنا آيات الله فلن نصل إلى المعنى الكامل لآياته سبحانه وتعالى الذي قال: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).

 

إن المعاصي من طبيعة الإنسان فالله جل جلاله خلقنا ووضع فينا القدرة على المعصية، ولو أننا لا نعصي لأهلكنا الله و جاء بقوم يعصونه ويستغفرونه فيغفر لهم.

أحببتُ هنا أن استحضر قولة لعلي بن أبي طالب :رُكّب الملك من عقل بلا شهوة، ورُكّب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته، أصبح فوق الملائكة، وإن سمَت شهوته على عقله، أصبح دون الحيوان“.

 

نحنُ بطبيعتنا بشر، ميزنا الله بالعقل والغريزة معاً، لكي نُوَلِّدَ التساوي بين ملكة العقل وحيوانية الغريزة، وإنهُ لأصعب إختبار،  لذلك فضلنا الله على الكثير من خلقه بقوله تعالى في سورة الإسراء الآية 70: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).

 

مقالات مرتبطة

ذاكرة الماء..

التعليم التفاعلي..

والخطأ فطرة في الإنسان، لو لم نخطئ لَكُنَّا ملائكة، قال صلى الله عليه و سلم:(كلُّ ابنِ آدم خطاء،و خير الخطائين التوابون).

و من هنا نستنتج معنىً من معاني المعاصي، ألا وهو التوبة، وقد جاء في سورة الشورى الآية 25 (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).. ومن بين صدق نية التائب إلى الله نجد الندم،  فالإنسان العاصي عندما يفكر في التوبة والتكفير عن ذنوبه يغمرهُ إحساس كبير بالحسرة: كيف فعلتُ ذلك؟ كيف تجرأت على الله عز و جل؟ كيف نسيت أن من خلقني رقيب بصير؟

و في سلم إرتقاء النفوس نجد النفس اللّوامة بعد النفس الآمارة بالسوء، لا يستطيع الإنسان المرور من النفس الآمارة بالسوء إلى النفس المطمئنة دون عبور قنطرة النفس اللوامة، لذا فإن الندم شرط من شروط التوبة كما أجمع عليه العلماء؛ و لا تتم توبة نصوح دونَ شعورٍ بالندم.. ولا يكون الندم دون معصية.

ثاني سر من أسرار المعصية هو ظهور معاني القرآن الكريم وتجلّي أسماء الله الحسنى، فإن لم تكن المعصية كيف سنعرف معنى العقاب و المغفرة و العفو مثلاً؟ كيف سنصل إلى فهم هذه المفردات دون معاصي ؟ فالله سبحانه يحبُ أن تظهر أسماؤه الحسنى .. و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها.

الله سبحانه يحب أن يعفو(اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا)، كيف سنعرف العفو دون معصية؟ فالله  سبحانه يقول  في سورة البقرة الآية 22  (إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين)، كيف سنعرف التوبة إن لم تكن هناك معصية؟

وجاء أيضاً في سورة النساء الآية 110 : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)، 

كيف سنستنبط معنى الإستغفار إن لم يكن هنالك ذنب يُستغفر لأجلها؟ كيفَ سنستوعبُ معنى الرحيم، الغفار،العفو، شديد العقاب..

فأساس وجود المعاصي هو من أجل أن تظهر معاني القرآن وأسماء الله الحسنى

ثالثاً، فللمعصية دور في تواضع الإنسان، فالنفس البشرية بطبيعتها تميل إلى الخُيلاء، ولكن الله عز وجل حذرنا من الكبر في سورة الإسراء الآية37 : (وَلا تَمْشِ فِي الأرضِ مرحاً إنّك لنْ تَخرقَ الأرضَ ولنْ تبلُغَ الجِبالَ طولا)، 

فهناك نوع من المسلمين يخالون أنفسهم فوق خلق الله، بمجرد أنه يصلي ويصوم و يزكي؛ وهناك نوع  من اليهود كذلك يحسبون أنفسهم أنه لا ناهي لهم، وقد قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآيه 264 : (يا أيّها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدَقاتكم بالمن و الأذى)، و”المن” هنا: هو التباهي والغرور بعمل الخير والعبادة.

و قال عليه الصلاة و السلام : “سيئةٌ تسوؤك خيرٌ عندَ الله من حسنةٍ تعجبك”، ولهذا فإن المعصية لها دور في تهذيب النفس وتعويديها على التواضع؛ ولكي يعرف الإنسان قدر نفسه فليقارنها بمن هو أكبر منزلة منه في الدين،

فالإسلام بحر من العبادات والعقائد ولا يقتصر واجب المسلم فقط على القيام بما ظهر منها؛ (إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكل امرئ ما نوى)حديث نبوي. والتباهي بالعبادة والتكبر بعمل الخير يُفسدان كلّ شيء.

وفي النهاية، أتمنى أن أكون قد وُفقتُ في كتابة هذا الموضوع و تطرقتُ إلى الأفكار والدلائل المناسبة التي تتعلق به، متمنيّا من الله عز و جل أن ينال إعجابكم وأرجو منكم مسامحتي في حالة كنت قد سهوت في كتابتي أو نسيت بعض العبارات الهامة.

عن سلسلة (حصاد العمر) للدكتور طارق سويدان.

تفريغ : حفصة البقالي.