ذهبت لتذوق الفن، فعدت بدروس في التاريخ

763

بعد مقالَين حول متحف اللوفر ومتحف العلوم والتكنولوجيا الإسلامي، أجدني مرةً أخرى أكتب عن المتاحف، وهذه المرة سيكون الحديث عن متحف الفنون الإسلامية التركية بمدينة اسطنبول. وقبل الخوض في تفاصيل الحديث عن هذا المتحف، أريدُ أن أصارحك، أيها القارئ الكريم، أنني أعِي، كما يجب أن أفعل، أنني قد أكون أثقلتُ عليك بتكرار الحديث في هذا الموضوع، الذي قد لا يكون جزءا من اهتمامك. لكنّ هنا أمرين لا بد لي أن أفصح عنهما:

أولهما في كون كتاباتي وجَّهتُها إلى الكتابة ذات الطابع الشخصي، أعني أنني أمزِجُ فيها بين ما هو ذاتي، يدخل في نطاق التجارب الذاتية، وبين ما هو موضوعي، له استقلال في وجوده، فلا أكتب عن المواضيع باستقلال عن تجربتي الشخصية. وهذا اختيار اخترتُه بناءً على وعيٍ ذاتي أيضاً، مُنبنٍ على قناعة مفادها أن التركيز في الكتابة على المواضيع في وجودها الموضوعي، بعيدا عن التجربة الذاتية، يفقد الكتابةَ حماستها وجمالها في كثير من الحالات؛
وثانيهما أنه لم يزَل من عادة الكُـتّاب أن يورطوا قرّاءَهم في اهتماماتهم الشخصية، ومن ثم تعلم، عزيزي القارئ، أنني سأكون سعيداً إذا نجحتُ في إقحام موضوع المتاحف في اهتماماتك التي لم يكن منها. وكي أُصادقك القول: إنني أقصد حقا إلى ذلك، انطلاقا من قناعتي بأهمية هذه المؤسسة في تشكيل الوعي التاريخي والحضاري لدى الفرد. فهذا المقال سيكون قد حقق غايته إذا دفعك إلى الاهتمام بالمتاحف والبحث في وظائفها ومختلف الأنشطة التي تقوم بها، ولاحقا إلى البحث في تاريخ نشأتها وتطورها وعوامل ازدهارها، وكيفية الإفادة منها، لتُدرك أخيراً المسؤولية الحضارية الكبرى التي تنهض بها هذه المؤسسة.
إذا تقرر ما تقدم، أعود إلى متحف الفنون الإسلامية التركية، هذا المتحف يقع في ساحة السلطان أحمد، في حي الفاتح، وقد تم تشييده سنة 1524م، وهو في الأصل قصرٌ لإبراهيم باشا، الذي كان الصدر الأعظم في فترة حكم السلطان سليمان القانوني. معروضات المتحف متنوعة جدا، وأهمها تتعلق بفن الخط العربي والسجاد، ومختلف الأعراق البشرية والحضارات التي عرفتها بلاد الأناضول. ويروم المتحف تقديم فكرة واضحة للزوار عن حياة الأسر التركية وما كانت تستهلكه من منتجات، ويحتوي المتحف كذلك على أقسام خاصة بالآثار الخشبية والمخطوطات والخزف والسجاد والصناعات الحجرية وغير ذلك.
وفي الواقع، لم أكن أتوقع أن تكون زيارة هذا المتحف مفيدة كثيرا بالنسبة لي من حيث المعلومات التاريخية، غير أن هذا الحدس سيتبين لي في النهاية أنه كان خاطئاً. كنت أتوقع أن أجد فيه لوحات فنية تؤرخ للرموز والأعلام الإسلامية، وللأحداث والوقائع التي لها علاقة بأعلام وتاريخ الإسلامي، والسجادات التركية التي عُرف بها المتحف. معلومٌ، لدى المهتمين طبعا، أنه يحتوي على أغلى سجاد تركي سلجوقي في العالم.
وقد كان كذلك فعلا، لكن الذي فاجأني أن المتحف بالإضافة إلى ما سبق، يحتوي على منتجات تغطّي تاريخ المسلمين منذ الخلفاء الراشدين إلى نهاية الدولة العثمانية، ففيه الكثير من المخطوطات والكتب والسيوف والأقلام والمحابر والعمائم، الخاصة بالسلاطين والقضاة، والكثير من الأخشاب المكتوبة بالخط العربي، واللوحات الإسلامية سواء تعلق الأمر بالفن الإسلامي التجريدي أو المعاصر، وفيه الكثير من الأواني الزجاجية والأحجار المعدنية والزخرفية التي تنتمي إلى دول وإمبراطوريات إسلامية مختلفة عبر التاريخ، وبخاصة تلك التي كانت في منطقة الأناضول. فالمتحف في العموم يبين جزءا من إنجازات الحضارات الإسلامية، والفتوحات الإسلامية منذ الخلافة الراشدة إلى حدود سقوط الدولة العثمانية.
وقد اختار الأتراك أن يسموه بمتحف الفنون الإسلامية التركية، تأكيدا على الهوية الإسلامية لدولة تركيا من جهة، فحيثما ذكرت تركيا ذكرت معها الهوية الإسلامية؛ وأيضا إشارةً إلى مركزية بلاد الأناضول وأهميته في الجغرافيا والتاريخ الإسلاميين من جهة ثانية. وأستحضر هنا ذلك الصراع الذي كان موجودا منذ العصر العباسي بين الجنس التركي والجنس العربي، فقد تسلق الأتراك سلم الارتقاء الاجتماعي في ظل الدولة العباسية في بغداد، التي كانت ملتقى الأجناس المختلفة آنذاك، فأصبحوا قادةً عسكريين، وأدباء مرموقين، ووزراء في البلاط العباسي، مما منحهم حظوة اجتماعية تفوقوا بها على الجنس العربي، أدى ذلك إلى تزايد التنافس بين الجنسين، وهو التنافس الذي يخرج أحيانا عن الحد المقبول، حتى قيل: “جَوْرُ العرب ولا عدلُ التُّرك”.


ولعل هذا الصراع والتنافس في نيل الحظوة الاجتماعية هو الذي دفع الأديب العربي الشهير أبي عثمان الجاحظ لتخصيص رسالة مستقلة لإبراز فضائل الأتراك، سماها “فضائل الترك”، يوثق فيها تلك النقاشات التي كانت تفاضل بين الأجناس في بغداد، وضمنها شهادته الخالدة فيهم: “الأتراك قوم لا يعرفون الملَق، ولا الخلابة، ولا النفاق، ولا السعاية، ولا التصنّع”. وقد نبه إلى أنه إنما وضَع هذا الكتاب “لنؤلف بين القلوب التي كانت مختلفة، وليزيد الألفة إن كانت مؤتلفة […] ولكي يعرف من لا يعرف موضعَ التفاوت في النسب”. ففي عنوان المتحف، إذن، إشارة ضمنية إلى هذا الدور الكبير الذي قام به الأتراك في تاريخ الإسلام، وفيه كذلك بعضٌ من هذا التنافس مع الأجناس الأخرى في أفضلية الانتساب إلى الإسلام والسابقة في خدمته.
في المتحف، ستلاحظ حضور وثقل التاريخ منذ الوهلة الأولى، فهناك غرف توثق وتحتوي منتجات كل حقبة تاريخية معينة، والتحقيب التاريخي هنا قائم على الاعتبارات السياسية وليس الزمنية، حيث قسمت هذه الغرف على أساس الدول والإمبراطوريات التي حكمت ووصل نفوذها إلى بلاد الأناضول. وأنت تتجول داخل المتحف ستشعر وكأنك أمام حكاية متسلسلة، كاملة العناصر، تبتدئ بالخلفاء الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين إلى أن تنتهي بسقوط الإمبراطورية العثمانية.
كثيرة جدا تلك الدول التي مرت من فوق هذه التربة المباركة، الكثير منها لم يكن عندي بها سابق علمٍ ومعرفة، منها الدولة الأرطوقية والتي حكمت جنوب شرق الأناضول، والدولة الأيوبية وعاصمتها القاهرة، ودولة مغول فارس، والدولة الإلخانية التي أسسها هولاكو خان، والدولة التيمورية وعاصمتها سمرقند، والدولة الصفوية، والدولة القجرية التي كانت عاصمتها طهران، ودولة المماليك، والدولة السلجوقية ثم الدولة العثمانية التي أخذت القسط الأكبر من المتحف، وهو أمر طبيعي مفهوم، لأنها كانت الأقرب زمناً إلى وقتنا الراهن، والأطول مدة في الحكم، والأوسع امتدادا من حيث الجغرافيا.
وقد استطاع الإسلام أن يحتوي كل هذه الاختلافات، وعاش الجميع في كنفه، مؤتمرين بأوامره، وملتزمين بقواعده وأحكامه، وظل هو الجامع مع الاختلافات، والباقي بعد أن تفنى وتزول هذه الدولة أو تلك.
ما من شك أن زيارة هذا المتحف كانت حدثا نوعيا في سفري الأخير إلى تركيا، وكانت ثمرتها على المستوى الشخصي مُرضيةً للغاية، استفدت منها الكثير؛ لعل من أهم تلك المستفادات إدراكي أنني أجهل الكثير عن التاريخ الإسلامي، وتجدُّدُ الوعي عندي بأن الذي عليّ أن أقرأه بهذا الخصوص كبير جدا. وهذا التحدي يُذكّرني بمعضلة الوقت والزمن اليوم، وكيف يمكن للمرء أن يوفق بين الشواغل الكثيرة من عمل ومسؤوليات أسرية وأنشطة متعددة، بالإضافة إلى الوقت الكثير الذي تستنزفه مواقع التواصل الاجتماعي، وبين الالتزام بالقراءة والتثقيف الذاتي؛ لا بد أن الأمر صعبٌ، لكن العزيمة والإرادة يذللان هذه الصعوبة؛ وكما قال أحد الفلاسفة: “إذا كان هناك من خير مطلق، فهو الإرادة”. وكل صعبٍ على الشباب يهون، كما يقول علال الفاسي.
كانت زيارة هذا المتحف مسكَ الختام في جولتي إلى تركيا، متحفٌ ببعدٍ قومي ووطني وحضاري كبير، يبرز لنا جانباً من العمل الكبير الذي يقوم به الناس في تركيا في التعريف ببلادهم وأمجادهم وتاريخهم، ويُدِلُّنا على مدى اعتزاز هذا الشعب بماضيه المتنوع والغني. وهذا أهم دور يجب أن تقوم به المتاحف، وبخاصة المتاحف الوطنية؛ حفظ ذاكرة الأمة، وتسليط الضوء على ماضيها وتاريخها وأعلامها، وتعريف الناس بكل ذلك، سواء مواطني الدولة أو الزوار الذين يأتون من خارجها. ودولة تركيا، باعتبارها من الدول التي لها موروث ثقيل وعريق، ناجحة جدا في الحفاظ على هذا الموروث، وفي التعريف به، وفي استثماره بأفضل الوجوه الممكنة، وخاصة في المجال السياحي.
وما أحوجنا إلى أن نسير هذا المسار، وننحو هذا المنحى، ونعيد الاعتبار لموروثنا الثقافي ونحفظه من أي ضياع أو تلَف، لغاية استثماره في تعزيز ثقة المواطن المغربي بهويته وانتمائه، ودفعه للحفاظ على مقومات شخصيته، عوض الذوبان في الآخر، وأيضا لاستثماره في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في هذا الوطن عبر بوابة السياحة.