عقل في المحيط

264
يتلقى عقلنا البشري آلاف المعلومات منها حقائق نسمعها ولا نكاد نستوعبها، ولعل المعلومة الأكثر غرابة أن حوالي %42 من المغاربة مصابون بأمراض نفسية؛ فهذه النسبة التي لا تهم شخصا واحدا أو عشرة بل تهم الملايين تتطلب منا التوقف وإعادة ترتيب أوراقنا، وإعطاء هذا الرقم المهوِل أكثر أهمية وخاصة أن الصحة النفسية للفرد هي التي تتحكم في مسار حياته.

ففي حياتنا اليومية قد نصادف في طريقنا شخصا ذو ثياب رثة وجسم نحيف يخاطب نفسه بصوت مرتفع بكلمات مشفرة قد تكون مرتبط بحدث يرجع لثمانيات القرن الماضي، أو قد نسمع بقصة شاب كان ذا جمال وذكاء لكن حاله تغير بين ليلة وضحاها لتتدهور صحته العقلية ويصبح من الذين يطلق عليهم الحمقى أو المختلين عقليا. للأسف هذه هي أفكارنا بصفة عامة عن الأمراض النفسية أو العقلية في حين ننسى أن بعض الأشخاص الذين يبدون أسوياء جسمانيا لكنهم في حقيقة الأمر غير أصحاء من الجانب النفسي، فكم من مرض يتطلب جرعة دوائية بسيطة من طرف طبيب متمكن لتعود المياه لمجاريها.

فمثلا مرض الفصام أو ما يطلق عليه عند البعض انفصام الشخصية يكون سببه نقص في مادة على مستوى الدماغ، هذا النقص يؤدي بصاحبه لهلوسات سمعية وبصرية وبذلك يبقى المريض متخبطا بين عالمين: عالم واقعي لا يكاد يتأقلم معه وآخر خيالي نسجه العقل بإتقان، لكن كل شيء يتغير عندما يتدخل أخصائي متقن لعمله بوصف جرعة دواء حسب مراحل تقدم المرض فيعود العقل لصوابه؛ فالإصابة بمرض عقلي أو نفسي ليس بالأمر الهيِّن، لكنه المرض الذي ينخر الهمم كما ينخر الصدأ الحديد. والأصعب هو ما بعد الأزمة، إنها فترة الفراغ التي قد تتعدى شهورا لتدوم سنينا عجافا إذا لم يتخذ المريض قرارا شجاعا ببداية صفحة جديدة. حتما سيأتي ذلك اليوم الذي يسمع فيه المريض صوتا داخله يَحتَج ويقول: “انهض لقد أطلت المكوث في نفس المكان”.

مقالات مرتبطة
بعد ذلك تبدأ مرحلة أخرى وهي مرحلة الترقب، ترقب هل سيأتي أحد ويمد يد المساعدة. عندما يطول الانتظار دون تدخل أحد، يبدأ القلب بالأنين والعقل بالصراخ ليأتي قرار النهوض للخروج من العتمة إلى ضوء النهار لذلك:
أولا: إذا كنت تمر من أزمة ما فلا تنتظر العون من الآخرين ولكن قدم أنت العون لنفسك، حينئذ ستعرف نفسك واحتياجاتها فتتقوى شخصيتك وتزداد همتك وتصبح على تأهب لتخطي العقبات ومساعدة الآخرين عند أزماتهم لكي لا تكون من طينة البخلاء. من الضروري التدرب على التحفيز الذاتي الذي من شأنه أن ينقذنا من ظلام الأزمة، إنه المنقذ المعنوي والحقيقي الذي يساعدنا على النهوض والمضي قدما نحو الأمام، إنه ذلك الصوت الداخلي الذي يخبرنا أننا بخير، إنه ذلك الإحساس النابع من داخلنا الذي يولد طاقة لا مثيل لها، إنه الفيصل الحقيقي بين الماضي والمستقبل، فغالبا ما نظل باحثين عن السند وعن الكتف الذي من الممكن أن نتكئ عليه وننسى أهمية تقديم الدعم لأنفسنا، أهمية الانتقال من الأسفل نحو الأعلى وحمل الرحيل لبدأ رحلة جديدة، رحلة البحث عن ما يستحق أن نحيا من أجله.
ثانيا: اعلم أن كل ساعة تقضيها وأنت ساقط على الأرض ما هي إلا فترة مخاض لمرحلة جديدة.
و أخيرا: تذكر أن عند الخروج من الأزمة قد يسرق منك الاكتئاب أشياء جميلة كنت قد اكتسبتها في الماضي لذلك يجب اليقظة وقت النهوض. فلا ننسى أن الحياة عبارة عن تعاقب فصل النجاح وفصل الفشل، والعقبات ما هي إلا محطات تحمل في طياتها رسائل خفية من المولى عز وجل، ويصبح التحدي الأكبر هو النظر لهذه الرسائل بنور البصيرة والتعلم منها الدروس والعبر بعيدا عن الأمراض النفسية والعقلية التي قد يكون سببها أحداث كانت قد وقعت في الماضي، لذلك من المهم التصالح مع ماضينا الذي فيه ذكرياتنا القديمة ومن تم إعادة البناء من جديد بعيدا عن كل المشوشات وبعيدا عن الأفكار السلبية التي تبعث في نفوسنا القلق من المستقبل. من الجميل أن تمر الأيام والسنين ونجد أنفسنا نعيش سلاما داخليا نستمده من تقبل الذات النابع أساسا من الرضا.