إقرأ

202

كانت معجزة القرآن أعظم وأسرع وأغرب طفرة حضارية في تاريخ الإنسانية،  فقد استطاع الخطاب القرآني أن ينتقل بها من إنسان الجاهلية البسيط  إلى مركز العالم وسيده في أقل من ثلاثة عقود. وسر هذا الإعجاز ومفتاحه كلمة (إقرأ) شعار الحضارة الجديدة التي تشمل القراءة التقليدية والقراءة الشاملة للقرآن والتاريخ والكون من حولنا.

و تحققت المعجزة على أرض الواقع  بتطبيق شعار حضارة إقرأ واندثرت بمخالفته لتصبح أمة إقرا أمة لا تقرأ! 

في تقرير التنمية الثقافية الذي تصدره مؤسسة الفكر العربي،  بينت أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ حوالي مائتي  ساعة  سنويا بينما الفرد العربي لا يتعدى ست دقائق سنويا وهو في تناقص.

و في دراسة دولية أخيرة حول معدات القراءة في العالم، أوضحت أن معدل قراءة المواطن العربي سنويا هو ربع صفحة بينما معدل قراءة الأمريكي هو أحد عشر كتابا، ومعدل كل من البريطاني والألماني سبعة كتب.  بمعنى آخر أن كل عشرين مواطنا عربيا يقرؤون كتابا واحدا في السنة،  في حين أن قراءة كل أمريكي تعادل ما يقرؤه مائتي وعشرين عربيا في السنةن وقراءة البريطاني والألماني تعادل ما يقرؤه مائة وأربعون عربيا.

في تقرير التنمية في العالم العربي تبين أن عدد الكتب المترجمة في العالم العربي مجتمعة يعادل خمس ما تترجمه دولة صغيرة مثل اليونان، وهناك كتاب يصدر لكل اثني عشر ألف مواطن عربي بينما يصدر كتاب لكل خمس مائة مواطن انجليزي، أي أن معدل الإصدار في العالم العربي لا يتجاوز أربعة في المائة من معدل الإصدار في انجلترا!

أما الكتب الإلكترونية فالواقع أشد ألما، إذ تصل  مبيعات بعض الكتب في الغرب إلى أكثر من أربعين ألف نسخة في أقل من يوم واحد وتصل المبيعات للملايين، أما في العالم العربي فلا تكاد المبيعات تذكر والمصيبة الكبرى في العالم العربي أن الأمية ما زالت منتشرة في حين أنها اختفت تماما في اليابان منذ القرن التاسع عشر.

يبين تقرير منظمة اليونيسيف أن سبعين مليون عربي ما زالوا أميين وثلثاهم من الاطفال والنساء، فما الذي حدث لنا؟

فلنبدأ من السنوات الأولى لطفل عربي لأنها ستحدد علاقته بالكتاب مدى الحياة، ففي توصيات المؤتمر الدولي لتطورالدماغ في جامعة شيكاغو بينت أن الذي يحدد ويقرر كيفية تكوين الدماغ عند الأطفال ليست الجينات الوراثية وإنما التجارب المبكرة والأحداث التي يعايشها الطفل.

مقالات مرتبطة

تبين التقنية الحديثة تصوير الدماغ وأنه حرفيا في ثوان فقط من بداية قراءة كتاب لطفلك الصغير تندفع آلاف من خلايا الدماغ للعمل، وهذه هي الفقرة الخطيرة الحرجة الحاسمة الهامة في تغيير الدماغ لتؤثر في حياة الإنسان مدى الحياة، وقد بينت الدراسة الحديثة أن الطفل يكوّن ثمانين في المائة من قيمه وسلوكه وولائه وما يخافه في السنوات السبع الأولى من حياته، لتبقى معه طوال ما تبقى من عمره. 

وبينت كذلك أن قراءة المتعة تجعل الطفل أكثر فصاحة ووضوحا ولديه قدرة أعلى على الفهم والتفكير المنطقي، كما أن القراءة للطفل في مرحلة الطفولة وما قبل المدرسة تبني علاقة وطيدة بين الطفل والوالدين، وتبني الثقة عند الطفل والإحساس بالتعاطف والقدرة على التحليل والتركيز، كما تصبح القراءة عند الطفل  شيئا محببا وليس مفروضا بل وتكون محببة أكثر من الألعاب الإلكترونية وأفلام الفيديو.

كما بينت دراسات أن الأطفال الذين حثوا على القراءة  قُرئ لهم في فترة ما قبل الدراسة حققوا تفوقا أكاديميا على نظرائهم استمر حتى المرحلة الجامعية، كما يربي الحماسة والشغف ويقوي الذاكرة وحسن الإنصات عند الطفل.

كلنا نسعى لتربية أبنائنا ليصبحوا أذكياء ناجحين ونختار لهم أفضل المدارس والأساتذة، ولكننا قد نغفل أن أهم عامل  لتحقيق ما نريده لهم هو أن نجعل الكتاب والقراءة جزءا لا يتجزأ من كيانهم و أسلوب حياتهم.

كل من يذهب للغرب يرى كيف تكون مكتباتهم مراكز  للفكر لطالبي العلم  والثقافة، فيتهافتون عليها من كل الأعمار لتصبح كخلية نحل بأنشطتها الاجتماعية وأنديتها الثقافية وأنظمتها المحفزة، والتي منها السماح باستعارة الكتب لأسابيع  دون شروط.

لا أرى إلا عشرات الأسواق والمحلات التجارية تفتح كل يوم في عالمنا العربي حتى ذهب من قال  ساخرا متهكما بحالنا المزري “إننا  نحقق رسالتنا ألا و هي “مول” لكل مواطن” .

إنني اؤمن بأننا إن نجحنا في تكوين جيل محب عاشق للقراءة والكتاب والقلم فإننا ملكناها مفاتيح المعرفة  سيّدنا العقل الذي به يعرف الله ويعمق الإيمان وبه تتحقق الخشية ” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ”.

إذا أردنا حقا أن ننهض من جديد فليس لنا من سبيل إلا أن نعود لأول كلمة نزل بها الوحي، إنها همسة الغار، إنها الكلمة التي بنيت عليها أعظم حضارات الأرض، إنها الكلمة التي استحقت أن تكون أول كلمات السماء للأرض في أول لقاء بين رسول السماء برسول الأرض، إنها كلمة (اقرا) فان لم نطع أول أمر ولم نطبق أول فرض نزل به القرآن  فهل  لهذه الأمة من سبيل؟!

عن سلسلة (وَمَحْيَايَ) للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ : بوتشيش تيسير.