قوة الفكرة.. بل قوة الكلمة

353
قدْ نتوافقُ بأنّ العديد من تصرفاتنا على أرض الواقع وما نحن عليه، ما هو إلا نِتَاجُ خلفياتٍ بُرْمِجنا عليها مِن أقوالٍ سمعناها من غيرنا، وأفكار اكتسبناها إرثا من الأسرة والمحيط، فأصبحت تلك الأقوال والأفكار تقرع طبول عقولنا، فنجسدها تصرفاتٍ مشابهة، فاستحَالَتْ ما نَحْنُ عَليهِ الآن عبر المِرَاسِ والعادة.
ولهذا يُقِرُّ علماء التنمية الذاتية، والمعَلِّمُون في البناء الذاتي بأنّ هذا صحيح من جهة ومُغال فيه من جهة أخرى، فالبرمجة اللغوية العصبية تؤمِنُ بأن المرء نِتاجُ برمجةٍ تلقاها من قبلُ، لكن ليس من المفروض أَنْ يسيرَ عليها في حياته كلها، وكأنه يُساقُ بها سوقاً، بل يستطيعُ تغيير حياته بأكملها إن شاء، بإعادة البرمجة من جديد، والعمل عليها أيضا بالمراس والعادة. ولهذا تجدهم يرددون كثيراً قولة الفيلسوف الصيني لاو تسو: “راقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات، وراقب كلماتك لأنها ستصبح أفعالا، وراقب أفعالك لأنها ستتحول إلى عادات، وراقب عاداتك لأنها تُكَوِّنُ شخصيتك، وراقب شخصيتَك لأنها ستحدد مصيرك.”

الأفكار قوة، وقد تكون هوة. الفكرة سلاح ذو حدين، إما أن تَجْني به، أو يَجْني عليك. والعقل الذي يراقب أفكارَه وما ستؤول إليه مِن بعدُ يكونُ أكثر نضجاً.
الأفكار تحدد المصائر، فالفكرة القوية تعطي النتائج القوية، والفكرة السلبية المحبِطة ينتُج عنها واقع سلبي محبط. وهذا مقبول نسبياً، لأن مَن يزرع الحنظَلَ لا يَجني العِنَبَ.
لكن ماذا لو كانت لشخصين اثنين الفكرةَ نفسَها، يؤمِنان بها الإيمان نفسه، لكِن في الأخير أحدُهما تجسَدت عليه آثارها، والآخر عكسه تماما. هذا يُخْفِت قليلا الضوءَ المسلَطَ على شماعة “الأفكار”، ويوجهه نحو قِـبْلَةٍ أخرى. ناهيكَ عن منطق القضاء والقدر، فقد سبق في علم الله ما قد سبق. لكن يكفينا أن الإنسان يرتع في عالم التخيير أكثر من التسيير، وفي الأخير كما قال الله عز وجل:{كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبتْ رَهِينَة}.
إن قوة الفكرة لا تَضْمَنُ دائما نجاحَها، ولا تَجَسُّدَهَا على أرض الواقع بصفةٍ مطابقةٍ لِتشكلها في عقولِنا. فالطريقةُ التي نُشكل بها أفكارنا قد تكون واحدة، فنتوافق فيها، لكن تردُّدُ الكلمات المُعبرة عن تلك الأفكار قد يُجسد تمثلات ذهنية مغايرة، وبالتالي واقعاً آخر. فقد تكون فكرتُك قوية، وتوهنها بكلماتك وقد تكون ضعيفة وتقويها بكلماتك.
إن مَن يرددُ في نفسه “سأنجح في الاختبار”، ليس كالذي يُردِّدُ  “لا أريدُ أنْ أرسب في الاختبار”. نعم الفكرة نفسها، لكن الأول تظلُ كلمة “سأنجح” تقرع عقله لتَتَقوّى بذلك فكرةُ النجاح عنده، أما الآخر فلا يزال هاجسُه من الرسوب يتقوى مادامت كلمة “أرسب” تتردد في ذهنه، فلا يلبث حتى يرسب فعلا.
رأى أحد الملوك في المنام أن كل أسنانه تكسرت وسقطت. فأُتيَ بأحد مفسري الأحلام، فلما قص عليه ما رأى، قال المفسر:أَمُتأكِدٌ أنت!؟ فقال الملك: نعم، قال المفسر: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا معناه أن كل أهلِك يموتون قبلكَ، تغير وجه الملك وغضب غضبا شديدا، وسجَنَ الرجل، وأُتيَ بمفسر آخر فقال له الكلام نفسه، وأيضا سجنه، فجاء مفسر ثالث، فلما قصّ عليه الرؤيا، أبدى المفسِر بشارة، وطَفِقَ يهنئ الملك، فلمّا استفسرَ الملكُ عن سبب تهانيه، أجابه: “إنك ما شاء الله ستكون أطول أهلك عمراً، فقال الملك مُستغرباً: أمتأكد؟ فبشَّ وجهه وفرح وأمَرَ له بالهدايا.
أن يموتَ كل أهلك أمام ناظريك، هو نفسه أن تكون أطول أهلك عمرا، وأغبى الناس يُدرك هذا، والملكُ بلمحةِ تَفَكُّرٍ يتفطَّنُ للأمر، لكنه لَم يكُن ساذجا لهذا الحد، بل أخذه سحر الكلمات بتلابيبه، و«إن من البيان لسِحرا».
إن هذا السحر، أو السر الذي يستخدمُه المُلهِمونَ عبر العالم والقادة عادة، هو نفسه السر الذي يعرفه ذاك الذي يُتقِنُ فنّ الحديث مع الناس، ولَم يَجرَح أحداً بكلمة، فنقول عنه مهذب لبق. هذا السر قد يغيب عن عقل عالم البلاغة والخطيب، وينجح فيه مَن لم يعرِف علمَ البيانِ ولا البديع.
في فيديو تصويري شاهدتُه مِن قبل، في إحدى المدن الغربية، يظهَرُ مُتسوِل واضعا أمامه لافتة مكتوب عليها: “أنا أعمى، أرجوكم ساعدوني”. وفي غمرة الحركة التي يشهدها المكان؛ لَم يكُن أحدٌ ليكترث لحال المتسول، فكلُ المارينَ يُجاوِزونَه مستمتعين بيومهم. فجأة، تمرُ سيدة مِن أمام المتسول، قرأت اللافتة ثم جاوزته دونَ أن تبديَ اهتماماً بادئ الأمر، لكنها سرعان ما عادت وحملت اللافتة بين يديها، وكتبت على الوجه الآخر منها: “إنه يومٌ رائع ولا أستطيع رؤيته”، وما إن وضعتها وانصرفت، حتّـى تسارع كلُ مَارٍ وقارئ للافتة، لا يُجاوز الرجلَ إلا ووضعَ أمامه مالا.
وانتهى الفيديو بعبارة: “change your words, change your world”
ماذا أضيف من محتوى على اللافتة!؟ أظن لا شيء، الفكرة ظلت نفسها، تعبِر على أن الرجلَ أعمى، ويطلب إعانة، لكن تغيير طريقة التعبير على الفكرة بسحر الكلمات غيّرَ الواقع فعلاً.
 في بعض الأحيان نحتاج إلى تغيير طريقتنا وأسلوبنا في التعبير عن أفكارنا أكثر من تغيير أفكارنا ذاتها، فقوة الفكرة شيء هام، لكن قوة الكلمة شيء أهم.
مقالات مرتبطة