الطريق إلى الطمأنينة

136

فلنتخيل شخصا يعاني من أرق مزمن، لكنه يهرب من مواجهة السبب الحقيقي لهذا الأرق فيقوم بتغيير نوع وسادته أو لونها، يحدث هذا كثيرا! الكثير من الإعلانات التجارية تروج لنوع معين من الوسائد، تقول لن تشعر بالأرق على هذه الوسادة، كما لو أن السبب الحقيقي للأرق ليس في أعماقك، بل في الوسادة.

للأسف فإن الكثير من البشر يفضل أن يعتقد أن المشكلة في الوسادة لماذا؟ لأن هذا سيوفر عليه عناء مواجهة نفسه. الكثير من البشر يفضلون الطريق الخاطئ لحل مشاكلهم. لماذا؟ لأن مواجهة الذات صعبة.

إن القرآن يعلمنا أن نواجه الحقيقة مهما كانت صعبة، يعلمنا أن البحث عن تطمينات عابرة ليس حلا، يعلمنا أن نقتحم مشاكلنا لكي نصل إلى الحل.

لنستعن بمثال منتشر لكن هناك نوع من التكتم على درجة انتشاره، أتحدث عن الشك، الشك الذي لا يريد أحد أن يتحدث عنه، الشك في الثوابت الدينية، الشك حتى في الله، هذا مثال منتشر لا أحد يريد أن يتحدث عنه.

يعامل الشك كما لو كان مقدمة حتمية إلى الإلحاد، وبدلا من مواجهة أسباب الشك، فإننا نتلهى بمحاربة الشك نفسه. الشك غالبا نتيجة وليس سببا، والتلهي بمحاربة الشك يشبه محاربة البعوض بأن تقتله بعوضة بعوضة بدلا من تجفيف المستنقع الذي يؤوي البعوض، فضلا عن أن الشك ليس طريقا حتميا إلى الإلحاد. في الحقيقة، يمكن أن يكون الطريق إلى الإيمان والطمأنينة.

يضعنا القرآن في مواجهة صريحة بين واحد من أهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين وبين حقيقة كانت مقلقة بالنسبة لهم. لم يهرب من المواجهة، لم يطلب المغفرة على شعور اعتراه بل اقتحم المشكلة، نتحدث عن أبي الأنبياء سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام.

قال “ليطمئن قلبي” هذا يعني أن قلبه لم يكن مطمئنا، كان مطمئنا من قدرة الله على إحياء الموتى، لكن هو كان يسأل عن الكيفية. لم يجد غضاضة من الاعتراف بالأمر، كان يريد أن يطمئن. قال رب العزة: “أولم تؤمن”، رد ابراهيم: “بلى ولكن ليطمئن قلبي”. رب العزة كان يعرف الجواب وهو العليم بما في الصدور لكنه يريد أن ينقل لنا الحوار، أن نتعلم المواجهة، ألا نهرب من الحقيقة المقلقة، أن نقتحم القلق، أن نقول نريد أن نطمئن.

تخيلوا شابا في مقتبل العمر، لديه قلق أو شك، يذهب ليبوح بما في صدره إلى معلم أو مدرس أو شخص أكبر منه في السن، كيف سيكون رد الفعل حاليا يا ترى؟ غالبا أطرد هذه الوساوس، ابتعد عن أصدقاء السوء، أكثر من قراءة القرآن، الأذكار … هذه الأجوبة صحيحة دوما، دوما علينا أن نبتعد عن أصدقاء السوء وغيرها، لكن هذا الشاب يعاني من مشكلة أخرى، سيكون هناك رد فعل آخر، سلبي، سيكون هناك الاتهامات والتهديدات، رد الفعل هذا ليس قرآنيا على الإطلاق.

مقالات مرتبطة

التحرش الجنسي..

هل تحتاج للتحفيز؟

الرد القرآني يكون بمواجهة المشكلة، باقتحامها، بالبوح. وكيف كان الرد الإلاهي على طلب ابراهيم؟ هل كان هناك مطالبة بالاستغفار والتوبة؟ كما لو أن عدم الطمأنينة ذنب يجب الاستغفار منه ! لا، جاء الرد عبر التوجيه إلى مثال عملي، إلى الطبيعة، كما لو كان تجربة عملية يقوم بها سيدنا ابراهيم لكي يطمئن قلبه. الفكرة هنا، اذهب إلى الطبيعة، ستجد فيها قدرة الخالق، ستجد فيه الأجوبة التي تزيل عدم طمأنينتك.

لم يكن لدى ابراهيم وقتها آليات بحث علمي المتوفرة اليوم. فقط قام بالتجربة كما أمره الله. لكن اليوم لدينا آليات بحث علمي تمكننا من أن نترك عدم الطمأنينة. احمل حالة اللاطمأنينة إلى الطبيعة وهناك ستطمئن.

لكن قد تقول : إن الكثير من العلماء ملحدون أصلا، ما الضمان أن يقودك البحث في الطبيعة إلى الإيمان؟ لا ضمان. لكن عندما تذهب إلى الطبيعة بنية التعبد للخالق، بنية البحث عن قدرته، غير أن تذهب وأنت محمل بالاتهامات والتهديدات، الأمران مختلفان.

لقد قال عليه الصلاة والسلام: “نحن أحق بالشك من ابراهيم” في حديث صحيح ومتفق عليه البخاري ومسلم. لم يقل إن ابراهيم شك ولم يقل إنه هو عليه الصلاة والسلام شك، لكنه يدافع عن حقي وحقك في الشك، دافع عن حقنا في أن نبحث ونصل إلى الطمأنينة، يدافع عن أجيال لم تعد تقبل بأي جواب جاهز تريد جوابا جديدا يشبع يقينها.

لديك شكوك يا صديق، لا تنم عليها، إياك، واجهها، لو نمت ستكون مثل القنبلة الموقوتة. أفضل سيناريو ممكن، لو أنك نمت عليها، هو أن تذهب لأداء الشعائر فترفع يدك وتمتم دون أن يخشع قلبك.

هناك خيار أفضل، أن تبحث. هناك من لن يتقبل شكوكك وهناك من سيفتح قلبه لك.

الطريق إلى الطمأنينة ليس سهلا، لكن مهما شككت لا تشك أنه لا يستحق العناء….

 

عن سلسلة (لا نأسف على الإزعاج للدكتور أحمد خيري العمري.

تفريغ: سارة أمري.