سرطان ؟ … و ماذا بعد!

756
آخر اللمسات لتجهيز حفلة التخرج، وجدت نفسها في جو مارح وانغمست بدورها في ذلك الجو، وأسارير وجهها تحدث قصصا طويلة تخفي في إيهاب طلعتها الكثير من المثابرة، التضحية والسهر، لكن لا بأس فكل ذلك تكلل بتخرجها مهندسة. حلم لطالما نسجته بالفكر والوجدان، وها هي الآن تستعد لحضور حفلة تخرجها. في طريقها إلى مكان الحفل، لم تنتبه لأنفها الذي ينزف، إلا بعد ملاحظة صديقتها لذلك. لربما فرحها الشديد تحكم في شعورها، لم تبالي طبعا، هي قطرة دم ليس إلا.

بعد انتهاء الحفل، عادت لمنزلها والنشوة تغمر نفسها فهي الآن رسميا مهندسة. شعرت بصداع شديد في عظامها، وأحست وكأنها ستفقد الوعي، لكن سرعان ما تخلصت من ذلك ظنا منها أنه تعب الحفلة. نامت، لكن جسمها لا زال يصدع. لا بأس ستكون بخير غدا. مر أسبوع عن ذلك، لكن الصداع لم يمر، بل أصبحت الآن تفقد الوعي مرارا وتكرارا وأنفها ينزف أيضا. طفح الكيل، لا بد من زيارة الطبيب! لم تتردد في ذلك لحظة، وذهبت هي ووالديها لتفقد الأمر. تم الفحص، وإجراء كل التحاليل… “نعتذر، لوكيميا، كوني قوية”، هكذا قال الطبيب. تبادلوا نظرات الاستغراب فيما بينهم، لكن لم يفهم أحد منهم معنى تلك الكلمة. لوكيميا؟ “أنت مصابة بسرطان الدم سيدتي” أضاف الطبيب. لم تنبس العائلة ببنت شفة. لم تستطع الفتاة استيعاب الأمر!
“أحببت عفويتك يا طبيب، فلنذهب يا أمي” هكذا كانت ردة فعلها تجاه الأمر. انصرفت ظنا منها أنه يمازحها. ربما الطبيب كذب، لكن نتائج تحاليل دمها لم تفعل. أخذت ورقة النتائج بين يديها ودموعها تسيل بلا انقطاع. سرطان؟ كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟ لكم أن تتصوروا إحساسها. خبر صاعق لجميع العائلة، وبالأخص لشابة في ربيع عمرها، بقامتها الهيفاء، حديثة التخرج. أحست كأنما شيئا يخنقها، لكن بفرط إيمانها بربها رددت:” اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكنني أسألك اللطف فيه.”
مر أسبوع عن تلقيها الخبر، لم يكن أسبوعا عاديا، قضت جله في غرفتها الممتلئة حزنا وغما. تتحسر على نفسها وعلى شبابها الذي يضيع منها. خرجت أخيرا من غرفتها وتوجهت نحو عائلتها التي تتقاسم معها نفس الشعور. ارتمت في حضن أمها فغسلت وجهها بدموعها الهامية. “لا حزن ولا دموع ولا تحسر بعد اليوم. لا أريد أن أرى أي واحد منكم يذرف دموعا من أجلي. سرطان؟ وماذا بعد؟ موت؟ كل من عليها فان! سأبدأ جلسات العلاج الكيميائي غدا، سأحارب من أجلي ومن أجلكم.لن أسمح لخلايا دم لعينة تتكاثر في جسمي عشوائيا أن تقرر مصير حياتي، لن أجعل مرضا لعينا يتحكم في حياتي. أبدا! أنا أقوى من السرطان. امسحوا دموعكم جميعا”.
كانت قد خرجت من غرفتها وهي تحمل زادا نفسيا من الشجاعة والقوة لا ينضب معينه. فعلا، بدأت علاجها بكل عزيمة وإصرار موقنة بأن لا شفاء إلا شفاء الله وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون. ظهرت بعض الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي، تساقط شعرها الحرير المنسدل فوق كتفيها كسلوك الذهب، تعب شديد، فقدان للوزن… لكن لا بأس، لا زالت قوية. انهال عليها سيل من الحب والدعم من طرف عائلتها وأصدقائها وطاقمها الطبي، لا مثيل له، زادها فوق قوتها قوة. لم تستسلم لحالها، بل كانت تكتب قصة إصابتها بهذا المرض وألفت كتابها الخاص: “أنا أقوى من السرطان” الذي لقي نجاحا باهرا هز فؤادها هزا. كانت بفرط إيثارها، تتقاسم قوتها مع كل مرضى السرطان في المستشفى، رغم هزالة جسمها، كانت تزورهم واحدا تلو الآخر وتمدهم بسيل من الحب والدعم، لكنها كانت تصعق أحيانا بخبر موت أحدهم.
استمرت بالعلاج لمدة سنتين، وتغلبت على مرضها الخبيث بقدرة القادر سبحانه وبإصرارها وعزيمتها، علما أنها كشفت عنه في مرحلة مبكرة. نعمت بعرس لا كالأعراس، احتفلوا بها رغم أنها عازبة. قصة انتصارها على السرطان يسمع صداها في كل المدينة.
عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، مريض السرطان لا يحتاج لشفقة من حوله وتحسرهم على حاله، لكنه يحتاج بالأحرى إلى وشائج من الحب والود والدعم. إياكم أن تحسسوا مريض السرطان أنه مختلف عنكم، تقبلوه كما هو، ساندوه، شدوا من أزره، أزهروا الحياة في عينه، فالتعايش مع السرطان أقوى بكثير من التخلص منه. عافانا الله وإياكم ! اللهم كن لمرضى السرطان وليا ونصيرا واشفهم شفاءا لا يغادر سقما.