واجب التوعية

1٬170

يصعب على الإنسان أن يجمح رغبته في المشاركة في أمور متعددة والأخذ من كل فنٍّ بطرَف، وأن يُركز اهتمامه على الشيء الواحد الأوحد. لعل طبيعة الإنسان تأبى هذا الاقتصار على الشيء الواحد، خاصة حين يكون الشخص متعدد المواهب والاهتمامات، وقد تنبّهتُ في الآونة الأخيرة إلى أنني في كل المؤتمرات والمحاضرات، التي أشارك فيها، لم أكن أتحدث في مجال الطب، ولم أكن أتحدث بوصفي طبيبا، كنت أختار الحديث في مواضيع مختلفة تماما، قد تكون قريبة من تخصصي وقد لا تكون كذلك، وغالبا ما أتحدث بوصفي مدونا، أو رحالة، أو مهتما بالفنون، فبان لي أن أرجع قليلا إلى مجال المهنة التي أمتهنها وهي الطب، وأن أؤسس لمبادرة لصيقة بمهنتي.

قررت أن أخوض في هذه التجربة، وأن أخرج للناس ما أقوم به في عيادتي، فيما يمكن أن أسميه بـ “كشف مطبخ الطبيب” أو “دمقرطة المعلومة الطبية”، خاصة وأن مواقع التواصل الاجتماعي اليوم تتيح لك الوصول إلى عدد كبير من المتابعين. أردتُ أن أُعرِّف الناسَ، ممن لا ينتمون لدائرة تخصص الطب: ماذا يعني أن تكون جراحا؟ أن أقدم بعض النصائح التي يمكن أن تفيدهم في الحفاظ على صحتهم، وفي علاجها إذا كانوا ممن يعانون من مشاكل صحية معينة. وذلك عبر نشر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن هذا المحتوى.
نعم، صحيح أن الصور قاسية وصعبة التحمل أحياناً، بالنسبة للأشخاص الذين لم يسبق لهم اعتياد مشاهد الدم والتشريح والجراحة، وأحياناً يتم حظرها من الأنستغرام، لكن مع ذلك أمضيت قدماً في الفكرة، ودرستُها من كل جوانبها، قبل أن أخرج بها للناس.
وقد لاحتْ لي هذه الفكرة فاقتنصتُها -والأفكار غالبا ما تُلوِّح لك من بعيد، وأنت تحتاج إلى تعلم مهارة القنص من بعيد لكي تستثمرها – بعد أن اتصلت بي سيدةٌ، كنتُ ألححتُ عليها إلحاحاً لتقوم بعملية جراحية لنزع “المرارة”، لكنها رفضت بشكل قاطع. طبعا الإشكال هنا يرجع إلى الثقة المفقودة بين الطبيب والزبون، أصبح معظم الناس يميلون إلى الاعتقاد بأن الطبيب لا يحرص على صحة الزبون أكثر مما يحرص على المال التي سيجنيه من العملية إذا هو قام بها، وهذا وإن كان ممكن الوقوع في حالاتٍ شاذة، فإنه لا يمكن تعميمه على جميع الأطباء، أو بناء قرارات كبيرة عليه، من مثل قرار عدم إجراء عملية جراحية يُخبرك طبيبك بأنها ضرورية.


وعلى كل حال، فقد مرت أيام كثيرة، إذا بها تتصل بي ذات يوم أَحَدٍ، تخبرني أنها تشتكي من وجع كبير، وهي حامل في الشهر السابع، فلم يكن من بُدٍّ من إجراء عملية جراحية مستعجلة لها. المعلومة المهمة هنا أن كل الأمهات يجب أن يعلمن أنه، قبل قرار الحمل، يتوجب عليهن الذهاب للطبيب للقيام بالفحص بجهاز الصدى، وذلك قصد التأكد من أنهن لا يعانين من أي مرض يمكن أن يؤثر على صحتهن أو حملهن.
بعد تلقي هذه المكالمة، انقدح في ذهني: لماذا لا أسهم بنشر هذا الوعي الصحي عبر نشر مقاطع شرح وتبسيط للمعلومة الطبية للمتابعين لي على مواقع التواصل الاجتماعي؟ عوض أن أنتظر أن يأتي إلي الشخص في عيادتي؛ خاصة وأننا نعلم أن الكثير من المغاربة يتعايشون مع المرض، والكثير منهم لا يذهبون إلى الطبيب إلا بعد أن تسوء حالتُهم بشكل يتعذر معها العلاج أحيانا.
وبالفعل قمتُ بتسجيل تلك العملية لأول مرة، بعد موافقة السيدة المعنية. كنت أقوم بالعملية وأشرح ما يجري داخل غرفة العمليات للمشاهدين، في الوقت الذي كانت فيه إحدى الممرضات تسجل ما يجري بكاميرا الهاتف. هذه الخطوة ستدفع بعض الزملاء لفعل الشيء ذاته، وهذا من شأنه أن يحسن من الوعي الصحي للمغاربة، وخاصة ما يتعلق بالجانب الوقائي منه، وربما يشجع الناس الذين لا يزالون يتخوفون من إجراء العمليات الجراحية عند لزومها، إذ مع كثرة المشاهدات لمثل هذه العمليات سيترسخ لديهم أن القيام بالعملية الجراحية حين تكون ضرورية أمرٌ عادٍ لا يجب أن يؤجل ولا أن يتهرب أو أن يُخاف منه.
لا أستطيع أن أنكر أن مفاجأتي كانت كبيرة بعد مرور فترة على تلك العملية ونشرها للمتابعين، إذ تلقيت العديد من الرسائل على الأنستغرام من سيدات يشكرْنني على تلك المبادرة وعلى تلك النصائح التي مرّرتها من خلال تلك العملية؛ لأنهن اكتشفن أنهن كن سيواجهن المشكلة نفسها لولا قيامهن بذلك الفحص. خطوة صغيرة لم تكلفني شيئا، لكنها أثرت بشكل جوهري وحاسم في حياة الكثير من السيدات؛ ربما أنت أيها القارئ لا تستشعر أهمية ذلك، لأنك قد لا تكون معنيا من الأساس بمشكلات الحمل، لكنك ستدرك أهمية ذلك الفحص حين تعلم أنه بالتهاب بسيط، يمكن أن يضيع من المرأة جنينها الذي انتظرته لشهور وربما لسنوات.
بعد ذلك، قمت بتصوير عملية أخرى لطفل كانت له خصية واحدة، أو بالأحرى إحدى خصيتيه كان معلقة داخل بطنه، فالخصيتان في الأصل يخلقن داخل البطن، ثم ينزلان شيئا فشيئا إلى أن يستقرْنَ في مكانهما الطبيعي، إلا أن بعض الناس –الذكور منهم بطبيعة الحال- تبقى إحدى خصيتيهم معلقةً داخل البطن، وهم يمثلون 5% من الذكور. الخطورة هنا أن هذه الخصية لو ظلت معلقة في البطن، ولم تعالج، قد تؤدي إلى سرطان الخصية وإلى العقم في كثير من الحالات.
ومن أسفٍ، في مجتمعنا المغربي، معظم الرجال الذين يواجهون هذه الحالة لا يتجرؤون على الذهاب للطبيب قصد العلاج، لأن ذلك يندرج عندنا في باب “حشومة”، والأدهى أنه قد يجد فيه بعضهم تنقيصا من رجولته، والأمر عادٍ لا يقتضي كل هذه الهالة. ومما لا شك فيه أن هناك فئة غير يسيرة ممن يعانون من هذه المشكلة، ولا يعرفون أو يعون حالتهم، وأن مشكلتهم لها حل، وما عليهم إلا الذهاب للطبيب. حاولتُ أن أشرح في ذلك الفيديو هذا المشكل وكيفيات العلاج ومخاطر عدم العلاج. وكان اختيار نوع العملية ونشرها للمتابعين مقصودا، وهو تشجيع الذين يعانون من مشاكل جنسية لزيارة الطبيب وفحص حالتهم، ومعرفة طرق العلاج المتاحة، وكيف يتم؛ فالأمراض الجنسية من أكثر الأمراض التي لا يتجرأ أصحابها على الذهاب للطبيب، وهي في كثير من الأحيان، إذا لم تُعالَج، تؤدي إلى تشتيت أُسَرٍ بالكامل، ويتأثر بها المحيط الاجتماعي للشخص زوجةً وأولاداً وأصهارا.
هاتان العمليتان أثبتتا لي أهمية التوعية الصحية الوقائية للناس، خاصة في مجتمع كمجتمعنا، الذي أصبح فيه العلاج مكلفا للغاية، والقدرات المادية لمعظم الناس لا تسمح لهم بتلقي العلاج الكافي والمناسب، ومنذ حينها وأنا أحرص على ذلك ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
من أسف، لم ندرسْ الطبَّ في الكلية إلا في جانبه الرأسمالي، حيث يتم تغييب الجانب الوقائي بشكل شبه كلي من مهمة الطبيب، أعني: “ماذا يجب أن نقوم به حتى نحول بين الناس وبين الأمراض”؟ وما من شك أن هذا أهم بكثير من: “كيف نعالج المرضى”؟ لأن دفْعَ الشر قبل وقوعه أولى وأهمُّ بدرجاتٍ من رَفعِه بعد نزوله، ونحن جميعا نعرف الحكمة الدارجة: ” الوقاية خير من العلاج”، وهي كذلك من غير ما شك، وفي كل مجالات الحياة.
في هذا الصدد، لا نعدم الأرقام والإحصائيات التي تؤكد على دور وأهمية الوقاية، إذ نجد منظمة الصحة العالمية تصرح أن البشرية لو استطاعت أن تقضي على عوامل الأمراض المزمنة لاستطاعت أن تستأصل ما يزيد على 80% من الأمراض المتعلقة بالقلب والجلطة الدماغية والسكري، وأن تقضي على ما يزيد على 40% من السرطانات. ومع أهمية هذا الجانب، فوزارة الصحة المغربية لا تخصص إلا 2% للتحسيس والوقاية من الأمراض، بما في ذلك التوعية بأهمية الرضاعة الطبيعية وبأمراض لا أهمية لها، أو لم يعد لها وجود أصلا، أو لا تؤدي إلى حالات خطيرة.
ويجدر بي أن أشير هنا إلى أن أمراض القلب والجلطة الدماغية والسكري والسرطان بأنواعه هم أهم أسباب الوفاة في العالم؛ يتمثل السبب الأول في الأمراض المتعلقة بالقلب والشرايين، ويتمثل السبب الثاني في أنواع السرطانات المختلفة، فيما يختص السبب الثالث بالأمراض التنفسية. وهذه الأسباب الثلاثة تنتج في الغالب عن التدخين، وبهذا تعلم أن التدخين هو القاتل الأول في العالم، وهو المسؤول عن 70 إلى 75% من الأمراض المتعلقة بالقلب والشرايين، والمسؤول عن خمسة عشر نوعا من أنواع السرطانات، بالإضافة إلى أنه يسبب الكثير من الأمراض التنفسية، ولا ينافسه في ذلك إلا مرض السكري الذي يأتي بعده في الدرجة.
لكن، ورغم أن هذه الأمور كلَّها ثابتة علميا، ويُجمع عليها المتخصصون جميعا، والمنظمة العالمية للصحة تعترف بها، إلا أنه لا يتم التركيز عليها في الإعلام، ولا يُحذَّر منها بالشكل الكافي، وما ذلك إلا لأن لها أبعادا اقتصادية ورأسمالية قوية. ونحن نعلم جميعا أن الأدوية اليوم صارت تجارة رابحة جدا، ولا يمكن أن تكون كذلك إلا في ظل نظام استهلاكي يدفع الناس إلى المرض دفعاً، وهو ما يحدث في واقع الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون. والمتحكمون في الإعلام يوجهونه إلى غير هذا، إلى التركيز على الإرهاب والفياضانات والكوارث الطبيعية وأشياء أخرى، مع أنها لا تمثل إلا 0,01% من الوفيات في العالم كله.
ولو شرعتُ في إيراد الإحصائيات لك، عزيزي القارئ، لهالَكَ الأمر، ولقضيْتَ عجباً، ففي سنة 2012، عرف العالم أكثر من ثمانمائة ألف انتحار: ما يقرب من مليون انتحار، وهو عدد يفوق عدد ضحايا الإرهاب والإجرام في نفس الفترة. لا، من غير السديد أن تفهم من كلامي، أيها القارئ الكريم، أنني أدعو إلى التساهل مع الإرهاب والإجرام، وبعيدٌ أن يدور هذا في ذهني، بل يجب أن يواجه إرهاب الناس بما يكفي من الصرامة والحزم، لكن قضيتي هنا أن أؤكد على ضرورة أن نفهم الأمور على وجهها الحقيقي، وأن نكون أكثر وعياً بكيف تجري.
وعودا على بدء، فمرض السكري في 2010 قتل أكثر من مليون ونصف ( 1,5 مليون) في العالم، وهو رقم لم يسجل في الحروب القائمة في تلك السنة، مع أن الإعلام لا يخصص لهذا المرض أي حيز زمني، في حين أن النشرات الإخبارية كلها تتحدث عن الحروب العسكرية والاقتصادية. ومن المفارقات التي تقف عليها في هذا الصدد أن الناس الذين ماتوا في 2014 بالسمنة أكثر من الذين ماتوا بالمجاعة، وهذا كله لا يعرفه معظم الناس، لأن مصادرهم التي يستقون منها المعلومة لا تركز على هذه الأمور، ولا مصلحة لها في التركيز عليها. لكن هذه الأرقام ثابتة في تقارير رسمية من مؤسسات وطنية ودولية، ليس هذا مجال تفصيل وإطالة الكلام فيها.
وعلى كل حال، فكل شخص مطلوب منه للحفاظ على صحته أن يتجنب الأكل غير الصحي وتجنب الكحول والتدخين والخمول والكسل وعدم ممارسة الرياضة؛ لأن هذه الأربعة هي التي تؤدي إلى معظم هذه الأمراض، في معظم الحالات.
يقال: إن إضاءة الشمعة أهم من لعن الظلام، وإطالة الشكوى واللوم لا يغير من الواقع شيئاً، وأن الذي لا يدرك كله لا يُترك جله، والخيرُ في الناس باقٍ، فمما يبعث على الأمل أننا بدأنا نشهد جيلا جديدا من الأطباء يحملون هذا الوعي، ويقومون بجهود كبيرة على الأنترنيت لتوعية الناس بمثل هذه الأمور الصحية التي لها تأثير كبير في حياتهم، كلٌّ بحسب تخصصه، دون أن يطلبوا في مقابل ذلك جزاءً ولا شكوراً.
غير أن عمل كلُّ واحدٍ بمفرده، وبالإمكانات البسيطة، قد لا يُوصل جهده وعمله إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وهذا الوضعُ استدعى وجودَ منصة إلكترونية مشتركة، تحمل على عاتقها هذه المهمة: نشر الوعي الصحي بين الناس، وتبسيط المعلومة الطبية لهم باللغة التي يفهمونها، مع التركيز على المنطقة المغاربية باعتبار اللغة والثقافة المشتركين. هذه المنصة تكون ملتقى لجهود كل هؤلاء الأطباء الذين يعملون بمفردهم، وفيها أيضا يتلقون الإرشادات اللازمة، لمن احتاج منهم إلى ذلك، في كيفية التعامل مع التقنية، وكيفية الحديث وبسط المعلومة حتى يفهمها أكبر قدر من الناس.
نعم، لأجل هذا كلِّه، وُلدتْ “شفاء”، والأملُ كبيرٌ أن تكون إضافةً نوعيةً مؤثرةً إيجاباً في المشهد الطبي المغربي والمغاربي، وفي تحسين الوعي الصحي للناس، وخاصة الوقائي، في هذه المنطقة.