المغربُ المغترب..

127

الوطن، الواو وفاءٌ والطاء طيبةٌ والنون نقاءٌ. الوطنُ ليس قطعة أرضٍ فقط، هو حضنٌ دافئٌ، يحيط بنا ويزرع بداخلنا شيئاً من السكينة والهدوء، لكن هل هو كذلك اليوم؟ بلىَ، هو كذلك دائمًا لكننا تغيرنا عنه. أصبحنا نعاديه ونقارنه بالبقية كأنه نكرة، فبعناه بخساً، تخلينا عنه ونُكراننا لهويتنا بمثابة إعلانٍ عن وفاته.

المغرب، لم يعد وطناً، هو جثةُ غريقٍ استنجد كثيراً قبل أن يسحبه التيار إلى أعماق الجهل، التخلف، الفقر، الفساد والظلام… لا تظنوا أن ما تعيشونه اليوم وتسمونه تقدماً وتطوراً هو كذلك، بل هي أوهامٌ تشكلت تحت تخديرٍ موضعي للشعب. هذا التقدم الذي تتحدثون عنه ليس بتقدمكم، هو اجتهاد دولٍ أخرى في زراعة ثقافتها بهذا البلد، وها هي تقطف ثمارها.

العيبُ ليس في الانفتاح على الثقافاتِ والحضاراتِ الأخرى، فمن الجيد أن تكون للمرء درايةٌ جيدةٌ بثقافة الشعوب والأمم، فهذا يعزز التفاعل والتواصل بين المجتمعات، وكذا تكون لثقافتنا فرصةٌ للقاء بغيرها لكي يكون لها صدى بالعالم. لكن المحبط بالأمر، أننا نستهين بما نملكه، وننظر بتعجب إلى ما تملكه الدول الأخرى، ومحاولاتنا الفاشلة في تقليدهم من حيث التعليم والصحة والإسكان…، تضر بمصالح غالبية الشعب. هم كدول، يحترمون ذواتهم، ينطلقون من ثقافاتهم ويعملون على إغنائها لتظفر بالاهتمام حتى تحقق مكاسب كبيرة تعود بالنفع على المجتمع. نحن ننظر إليهم كأنهم يقومون بشيء خرافي، بحيث أنهم يستعملون عقولهم بشكل صحيح، ونحن نمتلك عقولا أيضاً، لكنها منغمسة بالتفكير في إنجازاتهم، ومحاولة السير على خطاهم، وهذا يؤدي بنا إلى فقدان التركيز على إمكانياتنا وامتيازاتنا الخاصة؛ ولا يعقل أن نساير دولاً بنيتها الفوقية تطمح إلى تبني مشاريع ضخمة لا تلامس الأرض وبنيتنا التحتية تعاني من السرطان.

نقول عن ثقافتنا أنها فارغة، ونبني واقعَ الأجيال الناشئة على أساسٍ هشٍ، نطعمهم تراثاً فكرياً لا ينتمي إلينا، ونلزمهم على إتباع نظام لازال غير منتظم، ونروج لهم حقائق كاذبة عن هويتنا وتاريخنا. أما عن العلم، فنحن لا زلنا ندرس نظرياتٍ نلعن أصحابها في كل مرةٍ يستعصي علينا فهم مغزاها، نظريات مضت عليها قرون طويلة، ولا زلنا نستهلكها كما هي، وكأن العلم توقف عندنا منذ زمن بعيد.

انقسم المجتمع المغربي إلى عدة جماعات صغيرة، مما لا غبار عليه أن الغنى والفقر هما عاملان رئيسيان في هذا الانقسام، اللذان يظهران كبدر لا يحجبه الغيم في سماء مغربنا، تعبنا نتحدث عن الخاص والعام، المدن التي تحقق نمواً والأخرى التي تجني حضلا. هذا التفكك المجتمعي يفضي إلى تكوين قنابل موقوتة في كل بقعةٍ من بقاع الوطن، فعندما تبني مشروعاً بتكلفةٍ ماليةٍ كبيرةٍ بإحدى المناطق النائية وتعلم أنه سيتحول إلى أنقاض في أية لحظة، فأنت كذبت إزاء التكلفة أو بالأحرى وفرت مبلغا لنفسك، وهذا يا سادتي لا نسميه فك العزلة عن العالم القروي، بل هو إهانةٌ لكرامة الإنسان واستغباء للناس الذين لازالوا يقبلون بالفتات ظناً منهم أنهم يحصلون على مستوى عيشٍ كريم.

إن المجتمع الذي لا يحقق تكافؤ فرص، والذي تستعمره الثقافات الأخرى، والذي لا يتقبل الاختلاف، ويرضى بالتخلف والانقسام هو مجتمعٌ فاسدٌ، ولإصلاحه وتنمية وتطوير مختلف قطاعاته وإعادة الاعتبار له، يجب التركيز بشكل أفضل على قدرات شبابه والاهتمام بالهوية الثقافية الخاصة به. وعلى وجه الخصوص، يجب أن تكون هناك التفاتة كبيرة للمناطق المنسية، وهنا أتحدث عن كل من الجنوب الشرقي والأطلس المتوسط والريف، باعتبارها مناطق تحمل طاقات وقدرات شبابية هائلة، تمد أناس هذه المناطق بالأمل، وتصلح ما يمكن إصلاحه سواء بالقيام بأنشطة ثقافية وتربوية لفائدة الأطفال، أو أعمال تطوعية خيرية لفائدة المحتاجين وغير ذلك.

كل الشعوب تعيش واقعها وتصنع أفكارها وتحافظ على لغتها وتنمي ثقافتها لا تستبدلها، وثقافتنا المغربية لا يستهان بها. لا أتحدث عن الميوعة التي نعيشها حاليا، والتي يطلق عليها اسم “الثقافة”؛ فلكي نتحدث عن هذه الأخيرة، يلزمنا إصلاح التعليم أولاً، ثم تذويب الفوارق الاجتماعية ثانيا، ثم الرقي باللغة العربية والالتزام بالقيم الإنسانية والدينية والرفع من جودة الخدمات الصحية ثانيا، من ثمة سنحظى بفرصةِ بناء بيئةٍ فكريةٍ متوازنةٍ بين الأفراد، الشيء الذي سيؤدي لخلق جوٍ من التعايش والتواصل بين فئات الشعب لا محالة.

المغرب في مأزقٍ حقيقي، والكل يدرك هذا. هرولةُ الناس نحو المثالية، يفقدهم السيطرة والتحكم على أهواء أنفسهم. بحثهم عن الكمال، يجعلهم يشعرون بالقلق وعدم الاستقرار والسلام النفسي. كلٌ يبحث عن طوق النجاة دون أن يدرك أنه بذاته طوق النجاة لنفسه، لغيره ولبلده. هذه البلاد مِلكنا شاء من شاء وأبى من أبى، حتى وإن تشردنا فيها وأكلتنا الضباع أو علقونا كالشياه، سيظل هذا موطننا وسندفن بترابه. نحن نعيش من خير هذه الأرض حتى وإن اغتصبوا حقنا مراراً، وأرهقوا كاهل المواطنين الضعفاء والمساكين الذين لا يسمع لهم أنين من شدة صخب السفهاء المشاهير الذين لا يقدمون لهذا البلد سوى العار، لكونهم وسيلة من وسائل تحقيق الاستعمار الفكري والثقافي والاجتماعي… هذا البلد لأبنائه العقلاء، القادرين على انتشاله من الفساد والظلم والطغيان، إن هم رحلوا عنه غدا تركوه في الحزن كيعقوب النبي على فراق فلذة كبده؛ فليكن الله في عون هذا البلد، وليكن الله في عون مغاربته.