سبعة أيام وسبع ليال

221

نتعود على بعض الأمور دون أن نفكر في معانيها، وعندما نبحث في معانيها نجد كنزا هائلا نستغرب كيف لم ننتبه له من قبل، ومن هذه الأمور المعتادة التي يقوم بها كثيرون كل جمعة، قراءة سورة الكهف، وقد جاء في الحديث: ”من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين”.

لماذا الكهف؟ ولماذا بين الجمعتين؟

تتحدث سورة الكهف عن أربع قصص أو محاور، للوهلة الأولى سنتصور أن لا رابط بين هذه القصص.

  • القصة الأولى: تتحدث عن فتية آمنوا بربهم في مجتمع غير مؤمن ومحارب للإيمان، مما اضطر هؤلاء الفتية إلى الهروب إلى الكهف خوفا على إيمانهم، وعندما خرجوا منه كان الإيمان قد ساد المجتمع.
  • القصة الثانية: تتحدث عن صاحب الجنتين، وكان كافرا بأنعم الله ولا يؤمن بالآخرة، وكان له صاحب مؤمن يحاوره، فكانت الصداقة تجمع بين المؤمن والكافر، وبينهما حوار.
  • القصة الثالثة: وهي قصة سيدنا موسى عليه السلام ولقائه بالعبد الصالح المسمى بالخضر، وما حدث بينهما من أحداث، ثم فراقهما بعد أن فسر العبد الصالح لسيدنا موسى ما لم يستطع عليه صبرا، من خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار من غير مقابل… إلخ.
  • القصة الرابعة: قصة ذي القرنين والحضارة العظيمة التي قام ببنائها، مع إشارة مهمة إلى زبر الحديد في الحديث عن ذي القرنين، والذي كان أثره في الحضارة الإنسانية آنذاك مشابها لأثر الكهرباء والاتصالات في الزمن المعاصر.

 

ستبدو القصص الأربع للوهلة الأولى كما لو أن لا رابط بينها، فبعضها لا ندري متى ولا أين حصل، لكن المهم هو الجوهر وليست التفاصيل التي لم ترد في القرآن أصلا.

ولو وضعنا كل قصة من هذه القصص تحت المجهر لوجدنا أنها تمثل طورا من أطوار القوة، كل قصة منها تمثل مرحلة من مراحل القوة الملازمة للحضارة.

ففي القصة الأولى، قصة الفتية الذين لجأوا إلى الكهف، كان هناك الإيمان والفكرة، ولكن كانوا في مرحلة الضعف فكان لا بد أن يكون لهذه الفكرة حاضنة تحميها، لأن النزول بالفكرة في الوقت غير المناسب قد يجهض المشاريع، فكان لا بد من اختيار الوقت المناسب؛ إذن في المرحلة الأولى كانت فكرة ولكن كان ضعف.

وفي القصة الثانية، وهي قصة صاحب الجنتين، توجد علاقة تساوٍ وندية، فالمؤمن هنا صار قويا ولكنه لم يستخدم قوته ليقتل الكافر، بل استخدمها ليصل صوته ويسمع رأيه وفكره، ولم يستهلكها في مجرد القتل. فالقوة في هذه المرحلة لم تزد وإنما الزيادة كانت في الحكمة، أي حكمة القوة.

مقالات مرتبطة

اختيار ناضج

العقل زينة

وفي القصة الثالثة، وهي قصة سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح، القوة فيها تتجسد في فهم الواقع، فعندما تريد حقا أن تطبق النص على الواقع عليك أن تفهم الواقع أولا، ثم تطبق المقصد من النص.

يخرق العبد الصالح سفينة كانت لمساكين، فحسب عوائد الناس هذا ظلم لم يكن عليه اقترافه، يعترض عليه الإنسان، فالعبد الصالح قد أخطأ، ولكن هذا الخرق سيجعل الملك الغاصب لا يأخذ السفينة، فبحسب مقصد النص فالعبد الصالح قد فعل الصواب، فوجب إذن أن تفهم الواقع قبل أن تطبق النص، لأن ذلك سيجعل تطبيق النص صحيحا صوابا.

أما القصة الرابعة، فهي المرحلة الأعلى، والقوة فيها كانت في اتباع الأسباب، نعم، كانت فيها جيوش وانتصارات عسكرية، ولكن أيضا كان فيها العدل، وكان فيها العلم، وهذا ما جعل قصة ذي القرنين تكون في المرحلة الأعلى من مراحل التطور في سورة الكهف.

لقد بدأنا بفتية خائفين في الكهف، وانتهينا بذي القرنين؛ مررنا بمراحل متعددة لأنه ما كان يمكن الوصول إلى مرحلة ذي القرنين دون أن نمر بها: القوة التي استخدمها المؤمن في القصة الثانية في إيصال الصوت لا في القتل، أن تكون حكيما في فهم النص قبل أن تطبقه، ومن ثم تصل إلى مرحلة اتباع الأسباب كما في قصة ذي القرنين.

من الكهف إلى أعلى مرتبة حضارية، هذه هي سورة الكهف، تقدم لنا قصة الحضارة، ولا تفعل ذلك من أجل أن تسلينا بالتأكيد، بل لتقدم لنا مع قصة الحضارة نورا، كما قال عليه الصلاة والسلام: “أضاء له من النور ما بين الجمعتين”، فما هو هذا النور؟

إنه كالمصباح اليدوي الذي يجب أن تبحث به في أعماقك عن مراحل سورة الكهف؛ أين أنت؟ أتراك في الكهف لأنه مكان جيد للنوم؟ أم أنك هناك كي تحافظ على الفكرة بحيث تضعها في حاضنة تجعلها أنضج؟ هل يوجد من يريد أن يخرجك من الكهف ليجهض فكرتك؟ هل أنت مستعد للحوار مع تشبثك بمبادئك؟ أم أنك تريد أن تنهي الحوار بالضربة القاضية حتى لو أدت هذه الضربة إلى إنهاء كل شيء والقضاء عليك؟ أم أنك في حوار ولكن دون ثوابت؟ هل أنت في مرحلة العبد الصالح في النزول إلى الواقع؟ أن أنك تعتقد أن النصوص يجب أن تبقى في برج عاجي بعيدة عن هموم الناس؟ أم أنك لست في البرج العاجي ولكن تخوض مع الخائضين في الواقع دون أن تترك أثرا فيه؟ هل تفكر ولو مجرد تفكير في أن تسهم في حضارة كحضارة ذي القرنين في العدل والعلم واتباع الأسباب؟ أم أن النموذج الحضاري الغربي جعلك مستسلما له؟ أين أنت يا صديقي..؟

سورة الكهف تمنحك مصباحا يدويا، فتش في أعماقك عن الدور الأكثر ملاءمة لك، ولا تنس بقية الأدوار.

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج” للدكتور أحمد خيري العمري.

تفريغ : هالة أزام الحساني.

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي.