الرحمة فوق العدل..بأي معنى؟

111

 

تحدثنا في مقال سابق عن خطأ شائع من أخطاء التفكير؛ وهو التفكير العاطفي، والذي يؤدي بمن يستخدمونه إلى الإفراط في إظهار التعاطف تجاه البعض، رغم أنه بنصب ميزان العدل أمام أعيننا يكون واضحًا أن الحق عليهم لا لهم. واليوم نستكمل الحديث عن أشهر المغالطات التي تُستحضر دائمًا لتبرير التفكير العاطفي، وهي “الرحمة فوق العدل”.

أولا، ما هي الرحمة وما هو العدل؟

الرحمة لغةً هي: الرقة والتَعَطُّف. وفي «المعجم الوجيز» رَحِم فلانًا، رقَّ له وعطف عليه، وغفر له. أما العَدْل فهو: القصد في الأمور، وهو ضد الجَوْر. في «المعجم الوجيز» في أمره عَدْلًا وعَدَالة: استقام. وفي حُكْمِه: حَكَم بالعَدْل. والشيء عَدْلًا: أقامه وسوّاه. وفي «المصباح المنير» التعادل: التساوي.

لطالما تم تصوير العدالة على صورة امرأة معصوبة العينين، وهي إشارة إلى عدم تمييزها بين الطرفين المتحاكمين، كي تستمع فقط إلى صوت الحق. ومن الأحاديث الشريفة في فضائل الإمام علي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقضاكم عليّ»؛ أي أنه عليه السلام أفضل من كان يقضي بين الصحابة. ويأتينا تفسير ذلك في حديث آخر يقول فيه الرسول (ص): «عليّ مع الحق والحق مع عليّ، يدور الحق حيثما دار عليّ». فالعدالة تقتضي أن تُنحي العواطف، وتجعل عينك على الحق لا على سواه.

ويمكن القول إن المفرطين في التعاطف المائلين نحو الطرف غير المحق، لديهم إشكالية حول تحديد أولوية وأسبقية الرحمة أو العدل، وعدم فهم للهدف الأسمى الذي خُلِق لأجله الخلق؛ فالعدل هو القيمة الأسمى في هذه الحياة، والتي لا تُقام إلا بها.

يخبرنا ربنا جل وعلا أن الغاية من الحياة الدنيا، والتي لأجلها أرسل الرسل وآتاهم الكتاب وألهمهم العمل بالميزان، هي إقامة القسط. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة الحديد: 25]. والقسط هو العدل في جميع الأمور، فهو لفظ جامع، دال على عدل أعم وأشمل من العدل بين متحاكمين.
ويقول تعالى مخاطبًا رسوله الذي آتاه الملك؛ داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:26]. وفي الآية، أمر بالحكم بالعدل والبعد عن الأهواء والعواطف، ثم تذكير بيوم الحساب؛ فلأن البشر لا يمتثلون لأمر الله بتحقيق العدالة بينهم، عندما تضيع العدالة الإنسانية تتدخل العدالة الإلهية، وهذا هو الغرض من الحساب الأخروي. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 47].

لكن كيف يكون العدل أولًا وتكون الرحمة فوقه؟

لعل في آيتيِ القصاص بيان شافٍ لأولوية تحقيق العدالة، ثم الرحمة إن أمكن ورضي صاحب الحق. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأنثى بالأنثى ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَلكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ [سورة البقرة: 178-179]. يخبرنا الله تعالى في الآيتين الكريمتين أن القصاص مكتوب علينا، أي مفروض. ونجده سبحانه وتعالى، يقرر الحق في القصاص أولًا، ثم لا ينسى الترغيب في العفو، ليعود في الآية الثانية يذكرنا أن في الاقتصاص من الجاني حياة للبشر، لن تستقيم حياتهم ما لم يقر المجتمع كله بأحقية صاحب الحق فيه؛ فالإشارة الواضحة في الآيتين، والتي لا تخفى على عاقل، أن الله سبحانه وتعالى يقرر حق صاحب الحق أولًا، ولا يجعل لأحد سبيلًا إلى تجاوزه مهما كان. كما أنه تعالى، يقرر أن ذلك العفو إن تمّ منه رحمة وليس عدلًا ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.

مقالات مرتبطة

ولعل بعض المتعاطفين يتذرعون بآيتيِ الحرابة لتقرير أن التوبة تسقط العقاب الدُنيوي. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (34)﴾ [سورة المائدة: 33-34]. وتفسير الآية الثانية فيه أقوال كثيرة، أولها أن الاستثناء في ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ إنما قُصد به المشركون، والمقصود تابوا من شركهم وأسلموا فسقطت عنهم عقوبة الحرابة، لأن الإسلام يفتح صفحة جديدة في حياة المسلم ولا يؤاخذه بما سلف. نقل الإمام الطبري في تفسيره عن أصحاب هذا الرأي: «أما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامةُ الحدّ الذي أوجبه الله عليه، وأخذُه بحقوق الناس» اهـ. وحتى من أورد أقوالًا أخرى في تفسير الآية، ورأوها نزلت في المحاربين من أهل الإسلام، لم ير أغلبهم إسقاط حقوق العباد عنه بتوبته. يقول الإمام الشافعي: «تضع توبته عنه حدَّ الله الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم».

إذًا، نحن مأمورون بإقامة العدل فيما بيننا لتستقيم الحياة، دون تمييز لغني عن فقير تقربًا إليه أو لفقير عن غني رحمةً به. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ على أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أولى بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الهوى أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [سورة النساء: 135]. ولكنه وجوب يجوز لصاحب الحق وحده تركه، والرحمة مع المخطئ والعفو عنه فضل لمن أراد التفضل، ولكنه ليس واجبًا، فما قرر تعالى وجوبه هو القصاص وليس العفو، وأخذ حقوق العباد وليس تركها لمن نهبها؛ لذا كان من دعاء الصالحين «اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان».

فلسفة الاعتذار

دائمًا ما يردد حزب التعاطف «إن الله يغفر، فلِم لا تغفرون لمن يخطئ في حقكم؟!».
وأقول: هذا تلبيس واضح؛ فالله تعالى يقرن بين مغفرته وبين استغفار المسيء وطلبه التوبة، فمغفرة الله لا تصيب المُصرِّين على الذنوب. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 135]. إن حزب التعاطف يتناسون أنه سبحانه يغفر لمن يتوب، وكذلك البشر يسامحون من يعتذر، فالعفو لا يكون إلا بعد اعتذار. هذا هو الكتالوج الذي خُلقت نفوسنا مجبولة عليه. الله سبحانه يغفر لمن يتوب، وكذلك البشر يسامحون من يعتذر.

جاء في تفسير الطبري عن ابن عباس في تفسير ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وهي الدية؛ أن يُحسن الطالب الطلب، وأن يُحسن المطلوب الأداء. فإذا أُخذت الدية في القتل فذلك عفو بعد اعتذار.
إن إحقاق الحق وإقامة ميزان العدالة على الظالم هو اعتذار لصاحب الحق عما تم اقترافه في حقه، وتطييب لقلبه وخاطره؛ فهذه هي فلسفة الاعتذار، وأي محاولة لتجاهل أهمية الاعتذار تبقى النفوس محقنة، على عكس ما يتصور عصافير التسامح.

لا تعارض بين رحمة الله وعدالته

يقولون: “الله هو الرحمن الرحيم قبل أن يكون الحكم العدل والحق المبين، والرحمن الرحيم هما ألصق صفاته بذاته سبحانه”. وهذه محاولة أخرى لخلق إشكالية الأولية والأهمية بين الرحمة والعدل، ولا وجود لتلك الإشكالية من الأساس؛ فالعدالة الإلهية ناجزة والرحمة متوفرة.
روى الإمام الحاكم في المستدرك (8718) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ إِذْ رَأَيْتُهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: (رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلَمَتِي مِنْ أَخِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْطِ أَخَاكَ مَظلمَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي)، وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: (وَإِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمٌ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى أَنْ تُحْمَلَ عَنْهُمْ أَوْزَارُهُمْ)، ثُمَّ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْجِنَانِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، فَقَال: لِمَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ، قَالَ: وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ: خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلا الْجَنَّةَ)، ثُمَّ قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾».
وهذا الحديث عندما يسمعه أصحاب مغالطة «الرحمة فوق العدل» ينظرون إليه بنظرة سطحية؛ فيقولون: قصر لمن يعفو عن أخيه، يا لقدر العفو، ولكنني أقول لهم: إن الحديث دال أنه حتى في الآخرة، لا بد أن يقام ميزان العدل أولًا، ثم لا بد أن يعفو صاحب الحق عن المخطئ، وأن الله تعالى –وهو الملك لا إله إلا هو– لا يأخذ قرار مسامحة عبد قبل أن يعفو صاحب الحق عنه؛ فما لا يفهمه هؤلاء أن الرحمة فضل بعد إقامة العدل، لا أنها تتدخل لتنسف العدل وتطيح بحق صاحب الحق. الرحمة فضل بعد إقامة العدل، لا أنها تتدخل لتنسف العدل وتطيح بحق صاحب الحق.

 المجالس العرفية بين الرحمة والعدل

في بلادنا العربية ما زال للمجالس العرفية دورها، وما زال للكبار كلمتهم في حل النزاعات، لكن يُلاحظ أن منها ما ينتج عنها صلح بين العائلات؛ إذ يتم إبرام اتفاقات تستمر، ومنها ما لا تكاد تنعقد حتى تُفسخ، ويعود الصراع كما كان وربما أشد. ويتساءل كثيرون: “لماذا تنجح بعض المجالس العرفية في الصلح وتفشل أخرى مهما أُخِذت العهود والمواثيق؟” والإجابة عندي، أن المجالس تُقام لإسقاط الحق والحديث فقط عن العفو؛ فيطالب المشايخ صاحب الحق وعائلته ومن شايعه بالتنازل، دون أن يُطلب فيها من المخطئ أن يُقر بخطئه أولًا. تلك المجالس لا بد وأن تفشل اتفاقاتها لأن الجرح يرم على فساد، وأما تلك التي تؤكد على إحقاق من عليه الحق، وإقراره بخطئه واعتذاره عنه، ثم يأتي دور التراحم وطلب العفو، تنجح لأنها لا تتجاهل متطلبات النفس البشرية. هذا هو المعني بأن الرحمة فوق العدل؛ إذًا لا بد من إقامة العدل أولًا.