المارد الذي بداخلك..

139

 

“إذا لم تستطع فعل الأشياء العظيمة، افعل أشياء صغيرة بطريقة عظيمة” نابليون هيل.

إذا لم تتطابق النظرية مع التجربة فهي من المؤكد خاطئة، مهما كانت فرضيتك رائعة، أو كان من أوجدها شخصا يعني لك الكثير، إن لم نختبر كيف نفعل الأخطاء سنبقى نفعل نفس الأخطاء لسنوات وسنوات، بل العمر كله، وستستمر عقودا وأجيالا..

مشكلتنا ليست أننا لا نحترم العقل والتفكير والمنطق، مشكلتنا هي أننا نخاف من التفكير، نخاف من المفاجآت، والصدمات التي يمكن أن تصيبنا بسبب التفكير، أحكامنا العقلية على الأشياء المفروضة طبعا تحكمها المعلومات المتوفرة، ولكن! إذا أصبحت هذه المعلومات المتوفرة متغيرة، ألا يجب أن تتغير أحكامنا على الأشياء؟

ليس من المفروض أن تؤمن بأي شيء يحكى لك، نحن هذه الأيام في عصر الفائض المعرفي.. ومن هذه المعرفة ما هو حقيقي، وما هو مزيف، بالإمكان خلق قصص متماسكة وقوية في عقولنا، لكن ليس من الضرورة أن هذه القصص هي الحقيقة، ليس من المفروض أن تصدق ما أحكيه أنا الآن، لكن عندك فرصة كي تتحقق منه وتختبره، هذه هي الطريقة الأمثل في رأيي لاستخلاص الحقائق والمعلومات المفيدة.

افتقارنا للأحكام السليمة ناتج عن عدم قدرتنا على استكشاف الحقائق الواضحة، ورفض السخافات، والتناقضات الواضحة، التي كانت سببا في إصابتنا بحمى دماغية، والتي جعلتنا نتحدث لغة مليئة بالأشباح والأساطير، لغة بيوت عزاء، تريد تكريس الجهل والخوف، تعجز فيها عن التكيف مع الحقيقة، ومع ما هو طبيعي، ومع الكائنات الطبيعية.

نحن نمتلك أغلى وأثمن جهاز في هذا الكون، جهاز المنطق، لكن من الناس من يرفض استخدامه، ومنهم من لا يريد ضبطه على الموجة السليمة، مثل جهاز الراديو القديم الذي بين يديه، فيصر على الاستماع للتشويش، حتى تعود على هذا الصوت؛ ومنهم من هو على الموجة الآن ويريد أن يخرج من هذا التشويش الذهني، ويبحث عن محفزات ودوافع حقيقية لاكتشاف الحياة وجوهرها، لأنه أصبح مؤمنا بوجود أشياء كثيرة، يمكن اكتشافها فقط إذا قرر الدخول إلى المستوى الأعمق في هذا العالم.

كثير من الشبان يسأل عن نوعية هذه المحفزات.

أول الأمر يجب أن نبحث عن الأشياء التي لا تحفز، ويوجد الكثير منها:

 

مقالات مرتبطة

أولها:

المكافآت المشروطة، إذا قمت بكذا ستحصل على كذا.. إذا وضعت هذا الشرط على نفسك فإنك في كثير من الأحيان تدمر الدافع الذاتي الجوهري الذي بداخلك؛ لأنه إذا حدث أي خلل في الأمر الذي ستفعله ولم تنجح فيه، سيؤثر نفسيا عليك لأنك فشلت فيه أولا، ولأنك لم تحصل على جزاء الشرط ثانيا، وهو المكافأة التي كنت تنتظرها، فبهذا تكون قد قتلت الدافع الجوهري الموجود بداخلك.

ثانيا:

تأثير الإعلام طبعا، فنحن حين نتنقل بين قنوات التلفزة لا نغيرها بسبب الملل، لكن لأننا مخطئون، فتحس كأن شخصا ما لا تثق به يجعلك قلقا ومتوترا، ليس فقط بسبب الأخطاء، ولكن بسبب بعض المسلسلات، لأن بطل المسلسل مثلا يستمر في اتخاذ قرارات خاطئة من خلال الحلقات فيؤدي إلى إحباطك، لأن البطل هو أنت فهو انعكاس لذاتك، وأنت تحب أن ترى ذاتك من خلاله، ومن خلال تصرفاته، وقراراته.. أو من خلال الإعلانات التي دائما تذكرك وتحسسك بأنك لديك نقص في أمر ما، شعرك يتساقط، أسنانك ليست بالبياض المطلوب.. مشاهدتك لهذه القنوات بجهاز التحكم عن بعد ليس مللا بل غضب؛ ليس المطلوب أن تلغي هذه الوسائل الإعلامية بالكلية من حياتك، ولكن! كن حذرا ومنتبها للآثار السلبية التي يمكن أن تصلك من خلال هذا الجهاز.

من المحفزات الجيدة التي يمكن أن تحفزك على التفوق وتحسين طريقة أدائك في محاولة تغيير الممارسات من عمل إلى لعب، وإضافة عنصر التسلية للأمر الذي علي أن أتدرب عليه، أو أن أتذكره، لو فُرِض علي مثلا أن أحفظ عرضا ما، لم لا أحاول أن أغنيه؟ أو أمثله كدور مسرحي؟

اعتمد الفكرة التي يمكن أن تجلب هذا الواجب إلى منطقتك التي ترتاح فيها، بل تتسلى بهذا الواجب، ودائما ذكر نفسك بأن الوصول إلى مرحلة البراعة أو الكمال يتطلب أشياء منها: عقلية تتطور بشكل تدريجي مقتنعة بأن ما عندك ليس مرحلة نهائية، وموهبتك أو العمل الذي تقوم به دائما بالإمكان تحسينهما لو خصصت لهما جهدا إضافيا، وأيضا التفكير بوجود بعض المعاناة للوصول إلى الإتقان والبراعة، لأن من المفروض عليك أن تخرج من المنطقة الخاصة براحتك، وبعدها جسمك وحتى ذهنك يعمل على التكيف وخلق المستوى الجديد في المنطقة الجديدة.

هذا تماما ما يحصل عند التدرب على حمل الأثقال، فلو أحببت أن تمتلك عضلات أضخم عليك رفع ثقل زائد عن تحملك كي تلاحظ الفرق، هذا نفس الشيء الذي يطبق على ذهنك وممارساتك على الأشياء التي تحب أن تبرع فيها، وتصل لمرحلة الكمال، بالإضافة إلى كل هذا يجب أن تكون على قناعة بأنك لن تصل إلى الخط النهائي، في الحقيقة أنت حينئذ في الطريق للوصول إلى الخط النهائي، لكن لن تستطيع أن تلمسه، هذه هي الطريقة التي ستساعدك على التمدد، كما أن الأشياء المهمة للتحفيز هي السبب، المفروض أنك تربط نفسك بأشياء أكبر منك فهذا هو جوهر السبب، إنه أمر غير متعلق بك وبنجاحك الشخصي، لكن فيه مشاركة وإضافة للعالم أو محيطك على الأقل؛ اربط هذا السبب الجوهري لتحسن وتطور نفسك، واسأل نفسك كل يوم، هل اليوم تطورت قليلا؟ لأصل إلى هذا السبب الكبير والجوهري والأساسي.. كل يوم تذكر واسأل نفسك! هل تحسنت؟ حتى لو كان تحسنا قليلا مقارنة بالأمس.

حان الوقت لتكتب قصتك بقلمك وعلى دفترك، كي لا تقرأها حكاية مشوهة في قصص الآخرين.

 

عن سلسلة (العقل زينة) لسائد دزدار.

تفريغ: توفيق الغدويني.

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي.