التعليم الجامعي: تعليم أم تعذيب؟

167

كتب أدولف هتلر في كتابه كفاحي، متقمّصا دور التربوي الحاذق: “إن الطفل في المدرسة يجب أن يتعلم أن يكون صامتا، ليس فقط عندما يوجَّه إليه اللوم حقا، بل عليه أن يتعلم أيضا_ إذا دعت الضرورة _ تحمُّل الظلم في صمت”. وإذا كانت هذه التعاليم مقبولة_ بوجه ما _ في عُرف النازيين، وفي قوانينهم الداخلية المؤسَّسَة على الطاعة الفورية العمياء، فلا يُستغرب أن يقتعد هذا المنطق نفسه مكانا له كذلك داخل قاعات الدرس الجامعية، خصوصا فيما يرتبط بمسالك العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية بمختلف فروعها.

إن الحديث عن الطالب في علاقته العمودية بأستاذه، لهو الحديث تماما عن علاقة السجين بسجَّانه_ طبعا مع وجود فارق شاسع في المقامات_، فلا يسع السجين أمام سجانه إلا السمع والطاعة، ووضع الأوامر في حيز التطبيق، حذْوَ النعل بالنعل كما يقال، مع قطع الطريق أمام كل احتمالِ اجتهادٍ أو إبداء رأي أو مفاجأة الآمِرِ بما لا يُنتظر من المأمور.هكذا، غدت الجامعة وستغدو آلة لتنميط الطالب، ومصنعا لإنتاج كائنات لا تملك من أمرها لا حولا ولا قوة؛ بل إن وظيفتها الرسمية طوال مسارها الجامعي، ردّ واسترجاع ما تسلّمته من ” بضائع” معرفية، وبسطها على أوراق الاختبارات، بتفاصيلها المملة، التي تبلغ _ أحيانا _ حد استرداد ما شُحنت به مَلازمُ المحاضرات والدروس، مع الاحتفاظ، بكل أمانة، بنفس التعابير وبنفس المعاني وبنفس علامات الترقيم إذا اقتضى الأمر ذلك!.
قبل عقود من الزمن، وتحديدا في سنة 1975 ،تحدث الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه الشهير “المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن”، شارحا آلية مراقبة وضبط الأنظمة والدول التوتاليتارية (الشمولية) مواطنيها وجماهيرها العريضة، دون الالتجاء إلى جيوش جرارة و إلى بنادق ودبابات؛ ضاربا المثال بالمؤسسات الرسمية (السجن، المدرسة، المستشفى…) وكيف تفرض نُظُما سلطوية خاصة بها، تُدَجن بها، من جانب، مرتاديها جاعلة إياهم على الدرجة نفسها من الخضوع و من الالتزام بسلوك موحد في القول وفي الفعل، ومن جانب آخر، لتضمن مراقبة شاملة لكياناتهم بما تبسطه عليهم من سيطرة شبه مطلقة. ومن هنا تبدأ عملية مصادرة مكنونات العقل عبر المؤسسات التربوية _ موضوع اهتمامنا_ التي لا تكاد تخلو شعاراتها المرفوعة والمعلنة من الدعوة إلى التحرر وإلى الإبداع وإلى التغيير والتجديد. فكأنما بإفراغ الفكر من كل جديد وكل دخيل تكون المؤسسة قد بلغت المرام في رسم حدود المعرفة والفكر التي يحرم على الطالب الاقتراب منها، تحت مسمى “التأطير” المنهجي و “المواكبة ” البحثية، في حين، لم تكن المؤسسة هاته في الحقيقة إلا مُمعنة وماضية في سجن طلابها عبر ما يفرضه الأساتذة من كبح الفكر والمخيلة ، ومنع العقل من السياحة في المعرفة البشرية المنداحة والمتغيرة، مخافة السقوط في ما لا يُتحكّم فيه ، وفيما لا يدخل ضمن مساحة وحيز المسبح الذي يجيد الأستاذ السباحة فيه، مما يُحرج هذا الأخير ويجعله موضع استصغار وسخرية أحيانا. لهذا كان الحل لتجاوز هذه المواقف غير اللائقة بصاحب كرسي الأستاذية وبذي الحظوة التربوية، فرض سياسة “التغذية الراجعة ” على جحافل الطلاب، مهما تباينت تخصصاتهم واختلفت درجاتهم، إذ لا يجوز لهؤلاء الطلاب مهما اتسعت آفاق مداركهم ومناظيرهم المعرفية، رؤية ما لم يره الأستاذ والتفكير فيما لم يحالفه الحظ في التفكير فيه ، وكأننا أمام فرعون جديد يقول لمن أمامه :﴿لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ (غافر 29). وهل من سبيل أفضل وأكثر راحة من سبيل عُطِّلت فيها ملكات التفكير ومُجِّدت فيها الأساليب الببغائية المعتمدة على الاستظهار الدوغمائي والاسترجاع الميكانيكي للمعلومات المحفوظة، دون إعمال مشارط النقد والتمحيص والتحقيق فيها ؟

مقالات مرتبطة


إن الاهتمام المفرط بالتحفيظ وبشحن الذاكرة مقابل النقد والتحليل والتفكيك، ما جرّ الويلات حقيقة على الأنظمة التعليمية من أساسها إلى قمتها؛ ما جعل الطلاب، وسط هذه الدوامة من الخضوع، في سعي دائم إلى استجماع وحصد كل ما يمكن حصاده من النقاط ومن العلامات الضامنة للتفوق وللنجاح_ بكل الوسائل الميكيافيلية المتاحة_، مادام الفشل الدراسي مرتبطا بضعف القدرة على استرجاع المعلومة، وإن كان مَرَدُّ هذا الضعف أحيانا إلى دواعٍ بيولوجية. الأمر الذي جعل مخرجات الجامعة من حيث الكيف والتحصيل المهاري هزيلة ومخجلة للأسف؛فالأنظمة الآلية في آخر المطاف،كما قال الفيلسوف جون بودريار،لا تنتج إلا آلات!.
إن صناعة ” الحافظ” لم يعد مقبولا في راهن زمننا، وإن كان ذلك مُلِحًّا في زمن عُدِمت فيه الحواسيب ورقائق الذاكرة الاصطناعية؛ ولسنا في حاجة الآن إلى أمثال الحافظ بن حجر العسقلاني و الحافظ الذهبي و الحافظ ابن كثير و آخرين ممن عُرفوا بقوة الحافظة وبسرعة التذكر بنسبة تفوق قدرة الإنسان العادي.
هنا لا نصادر قول المختصين القائلين إن عملية التحفيظ تنشط التفاعلات الدماغية وتقوي الذاكرة، لكننا نؤكد لهم أن التفاعلات تلك تتحفز أكثر بالتفكير وبالتحليل وبالتأمل وبالتخيل،عمليات عقلية تبقى أهم بكثير من مجرد تعبئة الذاكرة بكمّ من المعلومات، والموضوع على كل حال فصّلت فيه بإسهاب عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد في كتابها “تغيّر العقل”؛ ومن الطريف، أن الفيزيائي ألبرت أينشتاين سئل ذات مرة عن سرعة الصوت، فكانت إجابته:” هذه المعلومة لا أتحفَّظها، لأنها مكتوبة في الكتب”، وأردف قائلا: ” إن قيمة التعليم الجامعي لا تكون بتعلم الكثير من الحقائق، بل بتدريب العقل على التفكير”؛ وهو ما أشارت إليه غرينفيلد في أطروحتها تماما، بل، هي الفكرة الأساس التي تبنتها الأنظمة التعليمية الرائدة عالميا، وجعلتها من غاياتها العليا، بعد تفكير عميق _ بالضرورة_ في جدوائية تقييم سعة ذاكرة الطالب، وقدرته على ترصيف المعلومات بالتفصيل الممل، دون إيلاء الأهمية القصوى للكفايات العقلية الأخرى.
إذا تم إذن استهجان التعليم المؤسَّس على ترديد المحفوظ عصبيا (بيولوجيا) و تربويا، فليس من المستغرب حقا أن تكون الفلسفة أيضا، ومنذ القدم، رافضة “استعباد” الكائن البشري بأي شكل من الأشكال، خصوصا ما يقترب من الاستعباد العقلي و من الوصاية الفكرية؛ أي ما يتناقض تماما مع قيم الحرية و معاني التربية على الاختيار الذاتي. ومادامت الحياة نفسها دأباً دائما على كسر النمطية والقولبة والنموذج والثابت أمام مجبولية العقل على حب الاكتشاف والاستطلاع، والتطلع المستمر إلى ارتياد آفاق المجهول والغامض والمُلغَّز؛ فمن غير المنطقي إذن أن يصير التعليم _ الجامعي خاصة _ أداة لتكريس العبودية والامتثال للسلطة والانصياع للحدود. وبهذا الصدد،كم جادل الفيلسوف بول فيرباند في كتابه ” ضد المنهج”، مؤكدا أن العلم والمعرفة مسيرتان لا تخضعان للسلطة وليسا شيئا يمكن ضبطه بقواعد حاكمة. وهذا ماكس هوركايمر في كتابه “كسوف العقل” يلفّ لفَّ فيرباند قائلا:” كل عقل يفقد استقلاله يفقد قدرته على العمل، ولايبقى منه إلا الوظائف الإجرائية، التي تسمح بالسيطرة على الطبيعة وعلى المجتمع.”.
إن الاهتمام بالعقل في التعليم كما قال نيتشه، ما جعل أوربا كما هي عليه الآن، والاهتمام بالعقل في نظرنا يعني بأوضح عبارة فتح المجال أمامه للتصرف على طبيعته وفطرته، وإطلاق عنان قدراته وإمكاناته في اكتشاف العالم من حوله، وتلافي زَجِّه وسجنه بين أسوار التحفيظ وتعبئة الذاكرة بابتلاع الأشياء ولَفْظِها بعد حين، مما يجعل العقل ساعيا إلى التخلص من البضاعة المشحونة جُملةً، حالما يتم عرضها على الأستاذ كتابة أو مشافهة، فتبلغ أخيرا مطارح النسيان. هكذا تكون العقول المُثقلة قد تخففت من عبئها المُضني في أول فرصة تتاح لها بعيدا عن مواقف المُساءلة و المتابعة.
ما أحوجنا _على عجل_ إلى أنظمة تعليمية جامعية تأخذ بعين الاعتبار هذا الجانب المهم من علاقة الأستاذ بطلابه، متجاوزة نظرتها الاختصارية والتقزيمية لمن يعجز،لسبب من الأسباب،عن استعراض المعلومة بشكلها الأصلي كما نُطقت أو كما كُتبت، منتهجةً أساليب أخرى من التقييم والتقويم، تُغلّب أساسا الجانبين الكيفي والمنهجي على الجانبين الكمي والشكلي؛ في أفق إعادة الاعتبار لتعليم فقد بوصلته المُوجِّهة، بل، فقد معناه و جانَبَ أهدافه السامية، بعد أن اقتصر فقط على تفريخ الشهادات!.
وهنا، أستحضر الفيلسوف الهندي جدّو كريشنامورتي القائل:”سوف تحصلون على الشهادات،و على درجات التميز التي ستسجل على بطائقكم الخاصة،وعلى وضعيات ممتازة،ولكن ماذا بعد ذلك؟ ما الفائدة من كل هذا إذا كان عقلك على مر الأيام يصبح باهتا،وضجرا،وغبيا؟”.
متى تتحرر جامعاتنا إذن من النظم والمعايير التقليدية في تحديد الطالب الكُفْء من غيره؟ ومتى نتحرر من ورطة الشافعي أمام أستاذه وكيع حين أنشد:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حِفْظي/// فأرشدني إلى ترك المعاصي.