“قُلْ إِنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحيَاي ومَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمينَ”

148
فِي لقاءٍ ذهبي، دَاخِل أسْوار المدرسة الوطنية للفلاحة، وقُربَ أجملِ فتياتٍ عرفتُهنَّ فيِ حيَاتِي، فِي مَكانٍ وُلدَت الهِمة، وصُنعِ القَادة، وتسمَع أَصواتَ الفَراشَات فوْق رُؤوسِهنَّ، لِأنَّهنَّ بِحقٍّ حقَّقن مُعادلة” تَأثِير الفَراشة” لِمن يَأتِي إِليهِنَّ فيُهَذِّبنَه ويُعلِّمنه.
كَانَ يومًا جميلاً فِي رمضَان، وَبعدَ إِفطَار شهيِّ وأَدعيَة أَخذت تَذكِرة الصُّعودِ للسَّماء، بَعد أنْ علِم الله عُمقَها فِي كلِّ آمين تتَكرر، دُعِيت إلَى أجمَل مَجالِس تَدبُّر القُرآن، وكيف الاِلتِفات أَو استِقبَال الاتِّصالاَت ونحنُ فِي صدَد تَدارُس آخِر آيات سورة الأنعَام التي تعنِينا نَحن شبَاب الأمَّة وعِمادها في المستقبل.

فنَقُول فِي تساءلٍ مَا الحياة؟ لِيأتي الجواب الشاف:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الأنعام، الآية 162، كأنّها مَحطَّاتٌ يجِبُ علىَ الإنسَان المُرور مِنهاَ، وكلُّ وَاحدةٍ أَعلَى وأغلَى مِن الثانِية، فَقط بالإحسان والإيمانِ الحق والاستعانة تَأخُذ تَذكِرة المَحطَّة المُوالية. يَحُثُّك الله على المُثابرَة، فَلاَ تقُل لا خشوع لِي في الصَّلاة، فَقَطْ صلِّ، لاَ تنقطِع، لا تقطَع صِلتَك بِالله فهِي مِفتَاحُك للعديدِ من الأَشياء الأُخرى لِتُصبِح عن حقٍّ “ربانيا”. وكيفَ للصَّلاة أَن تكونَ بإحسَانٍ إِذا لَم يَتخلَّلها قلبٌ يخْشع، وعين تدْمع، وَنفسٌ تشفع، فتَخرج إنسانا آخر لَم يعهد مِثله. بابتسَامةٍ علَى المُحيَّا وَحُب الخَير للكُلِّ دُون استِثنَاءٍ فَالصَّلاَّةُ تَنْهَانا عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَر. هي الحَبلُ الذِي لاَ ينقَطِع مهمَا بَلغَت دَرجَاتُه، مَا دامَ هنَاك إلحاحٌ علَى التَّغير، مَا دامَ قَلبُك يصارِع نَفسَك أَن ارجِعي إلَى ربِّك كمَا كُنتِ…
ولصُلحِ الصَّلاة، نتكئُ عَلى “ونُسُكي” مِن أدْعيةٍ وأذكَارٍ وعِبادَات تُطهِّر مَا رسَب فِي القَلب من شوائِب حقدٍ وحسدٍ..، فَفي سبيل ما فيه الخير، يلزم كلُّ مُؤمنٍ الدُّعاء والذِّكر أَينَما كَان، حتَّى فِي مزاحه. فالخير فِي اندمَاج الاثْنتين، “صَلاَتي ونُسُكي” لله رَبِّ العَالمين، نتَرفَّع  إلَى مَا هُو أًعمَق، كأنَها ولادةٌ جديدة، كبثِّ الرُّوح من جديد للحياة “فارتدَّ بَصيرا”، إِلا أَنَّ شَاكِلتهَا وَاعيَة، وعالِمة، وخاشِعة، تُصبح أنتَ كلُّك لله، مِن أَعلَى نقطةٍ فِيكَ إلَى أدنَاها، وهَل مَن أَحبه الله يتْركُه وحيدا فالأسباب كلها تَأخُذ قَالبَك، يُشكِّلك الله مِن جَديد ويَصنَعك علَى عَينِه، إِذ أَصبحَ عَينَاك التِي ترَى بهمَا ويَديك اللتين تبطِش بِهما، وَرِجلك التِي تمشي بهَا، ورُوحك التِي بِها أنتَ حيُّ، تصْبح حَياتك لله “وَمَحيَايَ”.
وإِن عزمنا الوُصول إِلى أَن يَكون مَحيانَا لله، فلاَ همَّة تَكون أَكبَر مِن العَمَل لله حتَّى المَوتِ، أنْ يُصبِح ممَاتك لله، فِي كُل خطوةٍ تَخطُوها، تَخَاف المَوت عارياً جافًّا مِن عملٍ يُقَرِّبُك مِنه، فتَخْشَع وتَقتَرب وتُهذِّب نَفسَك وتُذكِّرهَا بما هِي أَصبَحت عليه. فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت فلسفته في الحياة تقتصر على قولته الشهيرة:”كفَى بالمَوتِ واعِظاً”. فهو أخذ الموت رمزاً لأن لا يقف في أي حدٍّ، وإن بَشَّره نبينا صل الله عليه وسلم بالجنَّة، فَهو يَعلمُ خَبايَا النَّفسِ وَإن أسلَمتَ فتدخُلكَ من باب الإيمانِ القَوي وتَعِظكَ بالتوقف.
لنَا الصَّلاحية الكَامِلة فِي أَن نكُون علَى قدرٍ نُحب الله ونتقرَّب منه، ونَكُون مِن السَّائرين إليهِ. لنَا المَقدرة الكُلية، فكَيف إِن هُو سبحانه يَسَّر، وبشَّرَ ونادَى وألَّح النِّداء كلَّ مرة. يُشير لَنا إِلى موقعٍ التَّنظيفُ الأَول ومَنبَع كل شيء، {فإِنَّها لاَ تعمَى الأَبصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلوبُ التِي فِي الصُّدور} سورة الحج الآية 46. وَإن أَردتَ السَّير تَذكر قوله سبحانه:{فَاخْلَع نَعْلَيك إِنكَ بِالوَادي المَقدَّس طُوَى} سورة طه الآية 12. أَنت فِي المَكانِ الصَّحيح يَلزَمك خلعُ أَشيائك القديمة فَهي لاَ تُساوِي أبداً مَا سيأتيكَ وما سيُقَدَّم لك، بَالِية رثَّة هشَّة تَكاد تسْقط لَكنَّك تحتاجُ النيَّة ثمَّ ادْخل، ثُمَّ تبدأُ رحْلتَك، يَكفِيك قلبٌ صافٍ لِتَجعلَه لله، مفتوحا بالدُّعَاء وَالذِّكر يَمتَلئ حتَّى يغيِّرك مع كلِّ استيقاظٍ في الصباح، فيُصبِح وِعاؤكَ جديد كأنكَ وُلِدت حديثاً…
وإنَّ فِي كلِّ مرتَبةٍ ابتلاءٌ، وفِي العِلم ابتلاءٌ فَكَانتَا كفَّتين وُضِعت لَك تنتظِر مَن سَتُرَجِّح وَمنْ سَتترُك أَكفَّة “خَلاَئِف الأرض” أم كفَّة “وَرَفَع بَعْضَكمْ فَوْقَ بَعضٍ درجاتٍ” وَإنَّ الأُولى وَإنْ فِيها تَكلِيفٌ فبَعدَها تشرِيف لِما يُحب الله، لأنَّها هِي غايَة وُجُودك أنْ تعزِم الصَّعود للأُفق فَتكون صديقاً للشَّمس صَباحاً تُنير فَجر النَّاس وَتَكُون لهُم دِفئاً ونُوراً فِي آخِر نَفقِهم. تُحقِّق مُعادَلة “أَحِبَّ لِأخِيكَ مَا تحبُّ لنفسِك”. تعمِّر الأَرضَ خيراً ويُنزِل الغيثَ علَى النَّاسِ، وتُحب الجَميع، بِعفْويتِك تَكسِب صِدقَك وتَعكِسه فِي تَعامُلاتِك، تحفَظ لِسانَك مِن الإِسَاءة، وتعْفو عنِ الزَّلل، وتشفَع للكُلِّ، وَتأمَل فِي المُسيء التَّغييرَ وَهو حقًّا سَيتغَير إِن رَأى فِي أَعيُنِك الصِّدق.
أمَّا الثَّانية، فَهِي تشريفُّ من الله بَعد خَوضِك مَعركَة النَّفس وَتثبِيتَها علَى الحقِّ، فتقَع أنتَ فِي شِباكِها  وتنسَى التَّكليف. فتَمشِي فِي النَّاس مرحا، متكبِّرا مُتعالياً عَليهِم بِعِلمك، فِرعَونُك الدَّاخِلي يُرِيك رُبُوبية نَفسك فَتقدِّسها وَتحُثَّ الآخَرين علَى تقدِيسها بالعُنف. فَما حَسِبته نعمةً، كَان عليك بلاءً أعمَى عيناك عنِ الطَّريقِ. يُرجِعك إِلى ما دون نُقطة الصِّفر بمسافاتٍ كَأنك لَم تتعلَّم شيئاً طِيلة رِحلتك بينَ المحطَّاتِ. حتَّى أنَّ شُبَّاك التَّذاكِر يَأبَى مَنحك تذْكرة أُخرَى وَأنْت تلج الوادَ المقدس فرحاً مرحاً، أينَ الإِنْسان البَاكِي الذِي لاَ يكادُ يَبِين صَوتُه؟ أَين عَينَاك اللُّؤلؤ بَعد كلِّ هذَا الجهد؟
إِنَّ مَن يَنتظِر الجنَّة بِتشْريفه وعلمِه ودَرجاتهِ الدنيوية ومناصبِه، يَصلُ إِلى رَبِّه ويداه خَاوِيةٌ علَى عُروشِها ويقُول يَا لَيتَني لَم أُشرِك بربِّي أحدًا، أَمَّا المُريد فهُو مَن ينتَظِر رَحمةَ الله لِأنها أقرَب لله مِن عَملِه، هِي أساسُ الاجتهاد.