حوار هادئ مع بابا هندوسي

1٬883

ما مِن دولةٍ تزورها إلا وسيلتفت انتباهك شيءٌ ما بعينه، أكثر من أي شيءٍ آخر غيرِه … تلك قناعة استقرت، وقام الدليل عليها عندي، استقراءً من تجارب كثيرة خُضتُها في هذا الصدد. فرغم أن الذي ستكتشفه عن دولة ما أو شعب ما، يظل هناك دوما شيءٌ ما أكثر بروزا، وأدعى إلى لفتِ الانتباه واستدعاء التركيز عليه.

وأنت لما تزور الهند، ستجد أن هذا الشيء ما هو إلا مظاهر التدين الغريبة والمختلفة المنتشرة في كل مكان، فالهند ملتقى لديانات شرقية كثيرة، لعل أشهرها الهندوسية والبوذية والزرادشتية والجانتية وغيرها من الديانات المتعددة.

وفي زيارة سابقة قمتُ بها لهذه الدولة، حاولت أن أقف على مضمون هذه الطقوس الدينية المنتشرة، من خلال الاحتكاك والتواصل المباشر مع الناس، الذين يبدو، من ظاهرهم على الأقل، أنهم من أهل الخبرة فيها.
وفي هذا السياق، دار حوار بيني وبين أحد رجال الدين في هذا البلد، يطلقون عليه بابا.
لم أكن أتصور بادئ الأمر بأن يدور بيننا مثل هذا النقاش العميق الذي أعدت بعده ترتيب الكثير من أولوياتي، ولم أكن أظن أيضا بأني سأتذكر هذا الرجل طوال حياتي … هذا الشخص الذي حكمت عليه مسبقا من خلال منظره المخيف وثيابه الرثه بأنه متشرد لا يملك قوت يومه أو مجنون سيعجز لا محالة عن الإتيان بجملة مفيدة.
سجلتُ الحوار في مذكرتي حينها، ومنذ مدة طويلة وأنا أؤجل وأماطِل في أمرِ مراجعته وتنقيحه، لإخراجه في قالبٍ أكثرَ سلاسة، وأحكمَ صياغةً، ولو يسعفني الوقت والشواغل إلى اليوم، و﴿لكلٍّ أجلٌ كتاب﴾.

الحوار عبارة عن أسئلةٍ أطرحها، وهو يجيبُ بعفويته وسليقته، وهو في الأصل باللغة الإنجليزية، لذلك فالترجمة هي تقريبية للمعاني الأصلية، لأن إيصال المعاني كما هي متعذر في الترجمة غالبا، وخاصة في حوار كهذا.

جاء هذا الحوار كالآتي:

– تُنادى ويُدعى عليك بــ “بابا” ، فما معنى هذا اللقب ؟
-“بابا” يعني الرجل المقدس، وهو لا يُصبح كذلك إلا بعد عمل شاق، والانضباط في الاستيقاظ المبكر، والتزام الشعائر من الاغتسال وإقامة الصلاة “اليوجا”، وأعمال أخرى كثيرة من هذا القبيل. السر هنا في الانتظام والانضباط والالتزام؛ أن تضع كل شيء في مقامه، وتقوم بكل ما عليك القيام في وقته وإبّانه، فلكل ساعة عملها، سواء تعلق الأمر بالشعائر والعبادات، أو بأمور الدنيا والجسد من أكل وشرب ونوم وغيرها.

⁃عرفت من خلال إقامتي هنا في الأيام الماضية، أن بابا لا يهتم للمستقبل، هو يعيش فقط في الحاضر، كيف تشرح لي ذلك ؟
-في الواقع، البابا يُدرك أبعاد الزمن جيدا، فهو يعرف المستقبل، لكن لا يأبه له، يجول الأرض ويطوف فيها، دون أن يَحمل همّاً أو يُزعجه أمرٌ قد يأتي وقد لا يأتي. بالأحرى همه ومهمته أن يقدم يد العون للأشخاص الذين يواجهون مشاكل في حياتهم، هو لا يملك المال ليقدمه لهم، لكنه يستطيع مساعدتهم روحيا.

-عدم التهمم للمستقبل قد يكون جيدا في الظاهر، لكن ألم تفكر أنك قد تمرض يوما ما، وحينها ستحتاج علاجا، وهو مكلف للمال؟
– بلى، قد حصل أنني أصبت بالمرض مرات عديدة، في إحدى تلك المرات، تعرضت فيها لكسر في قدمي.

-إذن احتجت إلى الأموال للدواء والعلاج ؟
– لا، لم أهتم بذلك، عندي صديق عزيز في الولايات المتحدة، أتصل به ويتكلف بكل شيء، كنتُ أذهب إلى الطبيب للعلاج كل يوم، من دون مشاكل. في مناسبة أخرى مرضت فيها فسدد شخص آخر مصاريف المستشفى والطبيب. الناس يحبونني ويُعجبهم أن يقدموا لي أي شيء أحتاج إليه.

– أن تُصبح “بابا”، هل يعني أن تُعرض عن الدنيا وأن لا تعمل؟ أو أن لك عملا أو حرفة ؟
– لا، لا عمل لي، فأنا “بابا”، والبابا عمله في أن يٌقيم مراسم اليوجا، وعليه التوكل والاعتماد الكلي على الإله “شيفا” فهو الذي يرزقه.

-ولكن، كيف تحصل على طعامك وشرابك؟
– قلت لك: إن الإله “شيفا” يرزقني، وهو الذي يجعل الكثير من الناس يساعدونني، وأنا بدوري أساعد الناس بقدر استطاعتي، العيش والسفر تقتضي مصاريف، وهذه المصاريف تأتيني من الناس الذين يساعدونني، ولا أحتاج الكثير، فالبابا ليست له عائلة، ولا يكون زوجا. الزوجة والولد كلاهما مُحرّم عليه، إن عليه أن يُخلص حياته كلها لتقديس الإله.

-الإنسان له طبيعة معينة، من بينها حاجته إلى الجنس، فكيف تلبي حاجاتك الجنسية؟
– لا، لا حاجة بي إلى الجنس، ولا بأمثالي ممن توجهوا إلى هذا الطريق منذ الصغر، قوتنا الجنسية تتناقص باطراد، ومع الوقت تختفي كليا، عندما تصبح درويش “الناجا” تكون قد تخلصتَ من كل النوازع والشهوات، لن تبقى أبداً عبداً للشهوات والنزوات.

-كيف يحصل ذلك؟ هل يعني أنك، الآن، ليست لك رغبة جنسية، ولا حاجة إلى رفقة امرأة أو حبها ؟
– نعم، لا حاجة بي إلى ذلك كله، حبي خالص للإلهة الأم “كالي” و”دورغا”. وكل النساء لا يمثلن لي سوى أم، ولا أحدَ يشتهي أمه.

– هل يمكن أن نعود إلى طفولتك وبدايتك، مِن أين أتيت، وكيف أصبحت بابا؟
– ولادتي كانت في دلهي، وبعد أن صار لي من العمر 13 سنة، انتقلتُ للعيش في معبدٍ أتهيأ لأكون بابا، وبمرور الوقت أصبحت أحمل لقب “بابا”، ومسؤولياته.

-انتقلت للمعبد في سن 13؟ !
– نعم، هكذا جرت الأمور، بعد أن بلغت هذا العمر، عشت في معبد “Bhagwan Ram” في فاراناسي.

-بابا، من مهامك إقامة مراسم اليوجا، واليوم تنتشر ثقافة اليوجا بشكل كبير في العالم كله، هل يمكنك إخبارنا عن الفرق بين اليوجا و التأمل ؟
– في الواقع، اليوغا كما تمارس اليوم، وكما يعرفها الكثير من الناس، لا تتعدى أن تكون نوعا من الرياضة، فحيثما ولّيتَ وجهك، وجدتَ معهدا أو دكانا لليوغا؛ لكن اليوغا الحقيقية مختلفة عما يسميه الناس اليوم باليوغا، لأن هذا الأخير ليس إلا رياضة … نعم رياضة لا غير؛ أما التأمل فطقس فعال جدا، تفتح عينك الثالثة هنا، وهي رياضة داخلية، واليوغا التي يمارسها الناس اليوم في الغالب هي للجسم الخارجي. والتأمل يمكن أن تمارسه في أي مكان، ولا تستطيع ذلك مع اليوغا، فاليوجا لها طقوس وشروط وظروف لا بد من توفرها.

-هل لك أن تبين لي أكثر: ما هي فوائد التأمل واليوغا؟
– اليوغا تحسن لياقتك البدنية ، والتأمل يجعل ذهنك يركز بشكل أفضل، لا تخش أن تهاجمك الافكار، أو تلتبس عليك الخواطر، بل تتقوى طاقتك الروحية وتصبح أكثر نقاء وصفاء وهدوء وتركيزا.

⁃قل لي: لماذا تضع هذا السوار على معصمك، هل من أسرار بخصوصه؟
– هذا السوار من معبد Kal Bharu في فاراناسي، وهو معبد أذهب إليه كل سنةٍ بصفتي مراقب kashi، وهو محج يقدّمه الناس أولا في زيارتهم إلى فرناسي كل عام ، وهذا السوار علامة أُعرَف بها، وأنني أنتمي إلى هذا المعبد، وبسبب ذلك أحصل على مأوى آمن. وأما هذه القلادات فهي من مدينة “بوشكار”، في كل مرة أذهب إلى هذه المدينة، أتزود بهذا السبحات والقلادات، وهي مصنوعة من عظام بشرية.

-هل هذه القلادات للزينة فقط، أم لها رمزية ما ؟
– نعم، إنها ترمز إلى القوى الروحية.

-نحن أشخاص قادمون من بلد آخر، لدينا سيارات وأعمال وأشياء كثيرة نتعلق بها: الزوجات والأبناء والحسابات البنكية؛ كيف نستطيع التخلي عن كل هذا ونسيانه والعيش كـــ “بابا” ؟ ألا ترى أن هذا شيء صعب، أليس كذلك ؟
– نعم ذلك صعب للغاية، ولكن بالتدريج قد تستطيع التخلي عن كل ذلك، أنت جئت إلى الهند لتقوم بتصوير فيلم وثائقي عن الهند، كما أخبرتني، لكن ستحصل على قدرات روحانية عظيمة إن فعلت هذا، ستصبح خارقا. ليس بإمكان أي شخص كان أن يعيش مثلنا، تحتاج إلى الدربة والتدريج في التحرر من كل القيود بما في ذلك العائلة، لا يمكن أن تكون بابا وأنت لك عائلة ترتبط بها، العائلة عائق لتحصيل هذا المقام. وليس كل الناس في الهند يصبحون دراويش البابا، بل هناك صنفان فقط:
1/ الذين يمرون من مشاكل عائلية، وهم الصنف الأول، فيقررون أن يصبحوا بابا، للتخلص من مشاكلهم؛
2/ والذين يبدؤون هذا المسار منذ الصغر، وهم الصنف الثاني، وهو أفضل من الأول، لأن الطفل يُتربى في المعبد حتى يكون أهلاً لحمل صفة البابا، ولا يجد صعوبات كبيرة لأنه يألف ذلك منذ صغره، في حين أن الصنف الأول يشق عليهم الارتقاء في هذا المسار، لأنهم ألفوا عائلاتهم وأموالهم، وذلك يصعب التخلص منه ما لم يكن المرء قويا جدا.

-وهل أنت سعيد في حياتك؟
– نعم، أنا سعيد للغاية.

-هل تستطيع أن تحدد السعادة؟ ما السعادة؟ كيف يمكن الحصول عليها؟
– أن تكون راضيا، فأنت حين تكون كذلك، كل شيء يصبح مصدر سعادة كبيرة، وأهم من كل شيء أن لا يكون هناك “توتر”، أن تعيش مطمئنا، لا تخافُ من شيء، ولا تحزنُ على شيء، لا تفكر سوى في الطبيعة، في نهر الغانج، والخضرة حوله في كل مكان، لا تعيش حروبا داخلية، وصراعات فكرية في ذهنك، لا تهجمُ عليك الخواطر والأفكار السلبية، عوضا عن ذلك، تفكر في تحضير الطعام ليلا، وأكله على ضوء خشب محترق.
بابا لا يقلق على المال، ولا يخيفه الفقر، فهو أغنى الناس، وقدراته الكبيرة تُعينه على أن يعيش سعيدا، وأنا لا أفكر في المال، ولو أردتُ المال لجلبت الكثير من الناس إلي، وسيقدمون لي ما أريد، لكن لا أفكر في ذلك، ولا حاجة بي إليه، أعيش على الكفاف وأنا راضٍ سعيد بذلك. وعلى كل حال، فالناس يأتونني ويمنحونني المال.

-هل يأتيك الناس فعلا طلباً لمساعدتك في حل مشاكلهم؟
– نعم، يأتون بكثرة وأعينهم بنصائحي.

-لو سألتك عن أهم نصيحة أو درسٍ يمكن أن أُبْلغه لأهلي وقومي، فماذا سيكون ؟
– النصيحة الذهبية التي أقدمها للناس هو الاستيقاظ المبكر، هو الكنز الثمين الذي يعرفه كل الناس، لكنهم لا يفعلون شيئا من أجل الحصول عليه؛ الاعتناء بصحتك جيدا، فعندما تتحسن صحتك، وترتفع لياقتك البدنية، تكون مستعدا للعمل بعقل منعش وبتفكير سليم. والبدايات دائما حاسمة، وهي دليل النهايات، والبداية تكون من طقوساتك الصباحية؛ عليك العمل والعمل والعمل حتى تستطيع أن تستيقظ صباحا وأنت تتمتع بفكر جيد، وبنفس راضية، فحين تنجح في ذلك فستقابل أناسا جيدين، وستتلقّى كلاما ونصائح جيدة، لكن إن كان تفكيرك سيئا، وأنت غير راضٍ على أي شيء، فبالعكس من ذلك، ستلتقي أناسا ومواقف سيئة، وستعيش يوما كئيبا، وهذا يؤثر على صحتك وسعادتك.

-شكرا جزيلا بابا.t