لغة الضاد: عيد ميلاد أم حفل تأبين؟

191
من منا لا يتذكر أبيات «حافظ إبراهيم» مادحا لغتنا العربية ومنافحا عنها، بل ومتحسرا عما آلت إليه من أوضاع جعلتها تخجل من رفع رأسها وسط مثيلاتها عبر بلاد المعمور؛ وقد أنشد قائلا في قصيدة طويلة:
أنا البحرُ في أحشائه الدُّرُّ كامنٌ /// فهل سألوا الغوّاصَ
عن صَدَفَاتي أيُطرِبُكُمْ من جانِبِ العُرْبِ ناعبٌ /// يُنادي بوأدي في ربيع حياتي أيَهجُرُني قومي عفا اللهُ عنهُمُ /// إلى لُغةٍ لم تتَّصلْ بِرُوَاةِ ؟ سَرَتْ لَوْثَةُ الإفْرَنْجِ فيها كما سَرَى /// لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ

ومن منا لم تأخذه الحميّة القومية على لغته- بوصفنا محسوبين على الناطقين باللغة العربية- كلما حان موعد الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر، الموعد الذي حددته اليونسكو كيوم عالمي للاحتفاء بلغة العرب، وهو اليوم الذي تم “الاعتراف” فيه بلغتنا ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة (بالضبط في الثامن عشر من ديسمبر 1973)، خلافا لحال اللغات الأخرى التي لا تحتاج لاستجداء “اعتراف” رسمي من مؤسسة أو دولة، بما أن الاعتراف رهين بمدى قوة الفئة الناطقة بهذه اللغة دون الأخرى اقتصاديا وثقافيا وسياسيا، وإن كانت هذه اللغة حديثة العهد على مستوى التداول تاريخيا!! وهنا أجدني مضطرا لأن أرفع القبعة لابن خلدون على قوله :”إن غلبة اللغة بغلبة أهلها، وإن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم “، ولا أدل مما أوردناه سوى العناوين الكبرى لمواعيد الاحتفال باللغات الحية الأخرى التي تخلو من كلمة “اعتراف”؛ فمثلا، العشرون من آذار/مارس يوم اللغة الفرنسية، يوم دولي للفرانكفونية؛ والعشرون من نيسان/أبريل يوم اللغة الصينية، يوم لتخليد ذكرى «سانغ جيه» مؤسس الأبجدية الصينية؛ والثالث والعشرون من نيسان/أبريل يوم اللغة الإنجليزية، يوم لتخليد ذكرى وفاة الكاتب الإنجليزي «ويليام شيكسبير»؛ والسادس من حزيران/يونيه يوم اللغة الروسية، يوم لتخليد الذكرى السنوية لميلاد الشاعر «ألكساندر بوشكين»؛والثاني عشر تشرين الأول/أكتوبر يوم اللغة الإسبانية، يوم للاحتفاء بالثقافة الإسبانية. طبعا لن أسعى إلى تبييض وجه لغتنا العربية مستدعيا- كما يفعل الأغلبية- بعض الأرقام الإحصائية المقارنة بين عدد الجذور اللغوية في كل لغة، فرحين بالعدد الهائل الذي تحوزه لغة الضاد، وكذلك باستدعاء عدد الناطقين بها، والذي يضعنا في الصف الرابع بعد الصينية والهندية والإنجليزية؛ أما بعضهم فقد رفع سقف الحماسة إلى آفاق عليا، مدعيا أن لغة العرب أقدم لغات العالم بل وأصلها كما ذهب إلى ذلك د.مصطفى محمود في كتاب الأسرار، الأمر الذي يحيلنا قسرا إلى مسألة اللغة الأولى التي تحدث بها الإنسان منذ نشأته، المعضلة التي لم يُحسم في حلها إلى الآن، ولعل النظريات الأربع -كما أوردها «د.علي عبد الواحد كافي» في كتابه نشأة اللغة -المتصارعة في إثبات مصداقيتها منذ زمن أوضح دليل على ذلك. فالنظرية (الأولى) تؤكد أن اللغة إلهام إلهي هبط على الإنسان فعلّمه النطق وأسماء الأشياء، وقد ناصرها منذ القدم الفيلسوف «هيراكليت» اليوناني و«ابن فارس» في كتاب الصاحبي و«ابن جني» في كتاب الخصائص في العصور الوسطى، والأب “لامي” في العصر الحديث في كتاب فن الكلام، والفيلسوف «دوبونالد» في كتاب التشريع القديم. طبعا وهذا معتقد أغلب المسلمين بناء على قوله عز وجل في سورة البقرة:{وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين”(1).
مقالات مرتبطة

كتبت لأمي..

الطريق إلى كابول

 أما النظرية (الثانية) فتقرر أن اللغة ابتُدعت واستُحدثت بالتواضع والاتفاق وارتجال ألفاظها ارتجالا، وقد ناصرها «ديموكريت» اليوناني و«آدم سميث» و«دجلد ستيوارت» وكثر من الدارسين والباحثين في فقه اللغة. أما (الثالثة) فتزعم أن الفضل في نشأة اللغة راجع إلى غريزة خاصة زُوّد بها في الأصل جميع أفراد النوع الإنساني، وهذه الغريزة كانت تحمل كل فرد على التعبير عن كل مدرك حسي أو معنوي بكلمة خاصة به (الغضب، الفرح، الألم…)، ومن أشهر من ذهب هذا المذهب اللغوي الألماني «ماكس مولر» والفيلسوف «إرنست رينان». أما (الرابعة) أو ما يسمى بنظرية “البُو_وُوْ”، فتجزم أن اللغة البشرية نشأت من الأصوات الطبيعية (التعبير الطبيعي عن الانفعالات، أصوات الحيوان، أصوات مظاهر الطبيعة…)، وسارت في سبيل الرقي شيئا فشيئا تبعا لارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة واتساع نطاق الحياة الاجتماعية وتعدد حاجات الإنسان، وقد لفَّ هذا اللّفّ كثير من فلاسفة ولغويي العصور الوسطى، ومن المحدثين كان أشهرهم اللغوي «ويتني» صاحب كتابي “حياة اللغة” و”اللغة ودراستها”. لكن وإن حاكمنا وحاججنا كل نظرية على حدة، فطبعا سنكتشف أنها تخلو تماما، ولو على سبيل الإيماء والتلميح، من أدنى إشارة تؤكد أن الإنسان خُلق ناطقا بلغة الضاد، وهذا شأن النظرية الأولى أيضا، فالقرآن الكريم لم يُشر صراحة إلى أن الأسماء التي تعلمها “آدم” عليه السلام كانت بلغة العرب، إضافة إلى كون جمهور من فسروا آية تعلم آدم للأسماء، لم يجزموا البتة أن أسماء الأشياء كانت من الوحي الإلهي بلغة عربية؛ فغليان الحماسة إذن ليس دليلا على تحقق المزاعم! من جانب آخر توسّل بعضهم “مدح” المستشرقين للغتنا وثنائهم عليها كدليل على رفعتها وسموها بين قريناتها. فمادام الآخر قد أُغرم بها خطابة وبيانا وبلاغة فلا أقل -نحن وارثيها- من الافتخار بما تكتنزه من سحر وإعجاز؛ فهذا «لويس ماسّنيون» المستشرق الفرنسي في كتابه فلسفة اللغة العربية، كتب يقول:”لقد برهنت العربية على أنّها كانت دائما لغة علم، بل وقدّمت للعلم خدمات جليلة باعتراف الجميع، كما أضافت إليه إضافات يعترف لها بها العلم الحديث، فهي إذن لغة غير عاجزة البتّة عن المتابعة والمسايرة والترجمة والعطاء بالروح والقوّة والفعالية نفسها التى طبعتها على امتداد قرون خلت، إنها لغة التأمل الداخلي والجوّانية، ولها قدرة خاصّة على التجريد والنزوع إلى الكليّة والشمول والاختصار… إنها لغة الغيب والإيحاء تعبّر بجمل مركزة عمّا لا تستطيع اللغات الأخرى التعبير عنه إلاّ في جُمَلٍ طويلة ممطوطة”. أما نظيره الألماني «كارل بروكلمان» فيرى أن معجم اللغة العربية اللغوي لا يضاهيه آخر في ثرائه. وبفضل القرآن بلغت من الاتّساع انتشاراً تكاد لا تعرفه أيٌّ من لغات الدنيا؛ في حين أن المستشرق الهولندي « رينهارت دوزي» فقد بالغ نوعا ما، زاعما أن أرباب الفطنة والتذوّق من النصارى سَحَرَهم رنين وموسيقى الشّعر العربي فلم يعيروا اهتماما يُذكر للغة اللاتينية، وصاروا يميلون للغة الضاد، ويهيمون بها. إن تعدد مزايا وخصائص لغتنا العربية، من حيث ارتباطها بالقرآن الكريم واعتبارها لغة وحي، وأقدميتها التاريخية، ومعجمها المنداح والغني، والإعجاب الغربي بها، وتعداد الناطقين بها… فكل عوامل القوة تلك ليست حسب رأينا مؤشرا ت على قدرتها على مجابهة التحديات المحيطة بها من كل جانب، خصوصا مع المد العولمي والتكنولوجي الذي استطاع طمس جانب مهم من الهوية العربية في صفوف الشباب تحديدا، بعدما ترسخ لديهم الاعتقاد شبه الصلب أن اللغتين الإنجليزية والصينية ستغدوان لغتي المستقبل، تبعا لاشتراطات العلم والاقتصاد والسياسة؛ إضافة إلى تنامي عدد المنظمات والمؤسسات الداعية إلى تحرير لغة المؤسسات التعليمية واعتماد “العامية” أو “الدارجة” كبديل تربوي، واضعين التجربة التركية نصب أعينهم، كما أن دعوة الأديب اللبناني « سعيد عقل» إلى تجاوز “الفصحى”، والمغربي « فؤاد العروي» ليست ببعيدة؛ فاعتماد لغة “العامة” من شأنه- كما يدّعون- خلق جو تواصلي أكثر مرونة وتلقائية، مما يسهم في استيعاب المادة المدرّسَة بلغة يفهمها المتعلم دون تعقيدات صرفية ونحوية. طبعا دون أن ننسى قنواتنا الإعلامية، المرئية والمسموعة والمكتوبة، الدائبة على تصدير لغة متهالكة هجينة تحت يافطة “إعلام الواقع”!! لا شك أن تضخم الإغراءات وتواردها في عين “العربيّ” أعاد تشكيل وعيه بشكل جديد، بشكل جعله في جاهزية تامة للتخفف من أثقال هويته العربية ومن ثَمَّ لغته بكل سهولة، مادامت لا تستجيب لأحلامه اليومية. ومع توسع هذا الواقع الملوث ثقافيا ولغويا، لابد أن نبلغ ذاك اليوم -ولعلنا أقرب منه- الذي ستؤول فيه لغتنا في ظل غياب اهتمام ابنها العربيّ بها، كما عبر عن ذلك اللغوي التونسي «د.عبد السلام المسدي» صاحب كتاب “العرب والانتحار اللغوي”، إلى الضمور والأفول، وستتحول إلى لغة مرتهنة في طقوسات رسمية جدا، أو تعبدية جدا، أو إبداعية في حدود ما. وعوض أن نقيم لها أعياد ميلاد سنجد أنفسنا مجبرين في أجل قريب على إقامة مراسيم العزاء.