لعله خير!

368

من السهل جدا أن تقولها لشخص لم تسر أموره كما أراد. لكن عندما يتعلق الأمر بك، يصبح حقا من الصعب الاعتراف بها، وبالتالي يصعب تقبل الوضع. لذلك قررت أن أحكي عن تجربة شخصية بهذا الصدد، لربما تنفع أحدهم يوما ما في تقبل حدث سيء أو خيبة أمل، بمن فيهم أنا.

أذكر إحدى الفترات العصيبة في حياتي، حيث الأمور لم تكن تجري كما كنت أتمنى، ومن حظي -لا أدري إن كان سوء أو حسن حظ- أن صادف ذلك إحدى فترات الامتحانات. نفسيتي لم تكن أساسا تسمح بالدراسة لظروف شخصية سيئة كنت أمر بها، لكن لم يكن لدي خيار آخر. توكلت على الله وفعلت كل ما بوسعي لكي أنجح في كل الاختبارات، الأمر الذي تطلب مني مجهودات مضاعفة تارة من أجل التركيز، وتارة من أجل تجاهل الأحداث السيئة. ولا أخفي أنني مع طول المدة، بدأ صبري ينفذ، وازدادت حساسيتي تجاه كل شيء.

اجتزت الاختبار الأول والثاني بسلام. لكنني فوجئت بنقطة لا تسمح باجتياز الاختبار الثالث؛ فحزنت أيما حزن. للأسف تلقيت الخبر بينما كنت أستعد لاجتياز الاختبار الأخير، الذي بالأساس لم يكن بصعوبة الامتحانات السابقة. امتعضت كثيرا، واغتظت من الوضع، لدرجة أنني امتنعت عن الالتحاق بالامتحان الأخير. وكأنما أعاقب الحياة، مخبرة إياها أنني لم أعد أكترث، وأنني أعلنت عن استسلامي. أذكر أني أقفلت على نفسي في غرفتي وأفرغت كل دموعي على وسادتي. كان يجول بخاطري سؤال أساسي: “لم أنا من تتعرض لكل هذه الأحداث السيئة في آن واحد؟” درست بمشقة الأنفس، تحملت وصبرت على كل الضغوط الخارجية، فقط للنجاح بتلك الامتحانات الغبية، كنت أعاني من ضعف التركيز وكثرة السهو، ومع ذلك، ضغطت كثيرا على نفسي، لأتفاجأ بالأخير بنقطة لا تسمح بنجاحي، في الوقت الذي كنت متأكدة أن العديد من المترشحين، ينجحون فقط بأساليب غشهم المتنوعة. ما كل هذا الظلم؟ وأين العدالة الإلهية؟

المهم لم ألتحق بالامتحان، تلقيت اتصالات من زملائي يتساءلون عن السبب، لفقت لذلك ألف حجة. ومرت الأيام، وتبلدت مشاعري اتجاه حياتي. لم أعد أكترث لأشياء عديدة. لكن ذلك السؤال كان دائما يسكن داخلي. وكنت أنتظر إجابة ربانية ترضي انكساري وتجبر بخاطري.
ثم أتى يوم الإعلان عن النتائج. كان بهو الكلية جد مزدحم بالطلاب، اختلفت انطباعاتهم بين شلات جد سعيدة بنجاحها، وأخرى منكسرة من رسوبها. كنت أتأملهم من بعيد، وكأنني لست معنية بالأمر، فأنا بالأساس كنت أدرك سابقا النتيجة. ولا شيء سيحفز من مشاعري. ومع ذلك فقد قررت أن أراها مباشرة ربما لأذكر نفسي بمدى ظلم الحياة لي، فيزداد عدم اكتراثي لها، وتتبلد مشاعري أكثر وأكثر. فجأة التقيت بإحدى صديقاتي، تخبرني أنني اجتزت ثلاث اختبارات، في حين أنني كنت غائبة في الأخير. صدمت من هول الخبر. لقد كان الأمر مستحيلا! تيقنت من الموضوع، وقد كانت فعلا على حق، إذ أن نقطتي قد خولت لي النجاح بتلك المادة.

مقالات مرتبطة

عدت يومها إلى البيت، وقد كنت خجلة من نفسي. راجعت جميع الأحداث بدءا من المشاكل التي كنت أمر بها وصولا إلى الامتحانات ثم الإعلان عن النتائج. في البداية كنت صبورة، حددت أهدافي وصببت كل تركيزي على دروسي. وقد كان أمرا جيدا. لكن الخطأ الذي قمت به يكمن في عدم الرضا بما قدره الله لي لحظة علمي بخبر رسوبي في ذلك الامتحان الذي عملت كل ما بوسعي لاجتيازه. والأسوء من ذلك، التعبير عن غضبي من الحياة بالامتناع عن اجتياز الاختبار اللاحق، وكأن هذه الحياة تمشي على هواها دون مسير أو مُقدِّرٍ لمجراها.
أدركت حينها لو أنني تقبلت الخبر السيء بصدر أقل ضيق، ولو أن الموضوع صعب، لكانت النتيجة مختلفة. ليس ذكاء مني أو قوة أو أيا كانت التسمية، بل فقط ثقة بالله الذي لا يصعب عليه أي شيء. ثقة بالعدالة الإلهية التي تتمثل دائما في أوانها بأكثر أشكالها إرضاء لخواطرنا، وجبرا لانكساراتنا. ربما كنت أسعد الراسبين في تلك الفترة. اعتذرت بيني وبين نفسي من الله على ما بدر مني من سوء تجاه نفسي، لأنني كنت أكثر متضرر من تغير نظرتي للأمور.

الخطأ الآخر الذي انتبهت له، هو محاسبتي في قرارة نفسي للأشخاص الذين نجحوا غشا. في الحقيقة، لم ولن أكون أبدا في مكان مناسب يسمح لي بمحاسبتهم في هذا الأمر فقط مواساةً لنفسي. لأنه في نهاية المطاف نجاحهم أو رسوبهم أمر متعلق بهم فقط، ولن يغير في نتيجتي أي شيء، في الوقت الذي محاسبة نفسي على أخطائي، ولو في وقت ضيق، كان بإمكانه تحسين الكثير. أدركت حينها أن تلك الفكرة لم تزد سوى إيقاد نار الغضب بداخلي، وبالتالي تأخيري على حل المشكل.
لا زلت وراء فكرة أنه حتى ولو اقتنعنا بشكل كامل بفكرة “لعله خير”، فأحيانا، ومن شدة الضيق يصعب حقا الاعتراف بالأمر. والسبب الرئيسي هو تداخل المشاعر السيئة بداخلنا، وأسوء هذه المشاعر: الغضب، الذي فور تحكمه بنا، تحجب الرؤية الحقيقية عنا. لذلك أظن أن أفضل سلاح ضد انهزامنا أمام أي خيبة أمل، خاصة إذا باءت كل المحاولات بالفشل، هو الرضا. لأنه اعتراف واضح بأن زمام الأمور بيد الله فقط، بصفته الحق، الحكم والعدل. وبهذا، فعندما تمشي الرياح بما لا تشتهي سفينتك، تذكر أن أمر تلك الرياح بيد الله الذي لم يصعب عليه حماية نملة من جيش النبي سليمان عليه السلام، فكيف بأمرك أنت يا ابن آدم؟ لربما ثقة هذه النملة بالله في خضم أزمتها كانت كبيرة جدا، في الوقت الذي تزعزع فيه إيماني برحمته وعدالته أمام أول امتحان لي في الحياة. وهذا أمر جد مؤسف بالنسبة لي!

بعد مرور أشهر، عدت لاجتياز ذاك الامتحان بأقل مجهود، وتوفقت فيه بفضل الله. في المقابل حصلت على جواب لسؤالي: “لم أنا من تتعرض لكل هذه الأحداث السيئة في آن واحد؟” في الحقيقة، لم أكن أنا الوحيدة من تتعرض لكل شيء سيء في آن واحد، لأن أيا منا قد يمر بأمر مماثل، بأحداث مختلفة ومتضاربة تضغط على الإنسان من خلال نقط ضعفه. لكن وحتى إن اعتبرت أنني سيئة الحظ الوحيدة في العالم، التي اتحد ضدها كل السوء، فإن ما اكتسبته من أفكار إيجابية، مراجَعةً مني لنفسي، ليس إلا وليد كل ذلك الضغط. وبالتالي، وبعد انتهاء تلك الأحداث، الأجدر أن أقول لقد كان فعلا خيرا؛ فمن يدري بم ستنفعني تلك الأفكار الإيجابية لاحقا في حياتي خلال ظروفي الأصعب والأكثر تعقيدا!

وبهذا تكون رسالتي الشخصية لك أيها القارئ، أن تخبر نفسك دائما: لعله خير! حتى وإن لم تسمح لك الظروف بإيجاد ذاك الخير. فالمسألة مسألة ضيق زاوية رؤيتك للأمور، وتضارب مشاعرك السيئة. لولاهما، لمرت الأمور بشكل أقل ضررا.
نحن نحتاج للإيمان بالله. نحتاج للثقة به أكثر. نحتاج للإحساس برحمته وعدله. نحتاج كل ما سبق أكثر مما نتخيل، لأن تلبية هذه المشاعر، هي ما يدفعنا لإنتاج الخير بأشكاله، من عطاء، وإحسان وغيرها… ثق بالله أكثر، لعله خير!