تدبير المخاطر و الإشكال الثقافي

99
منذ مدة ليست بالقصيرة، أعتبر نفسي متخصصا في مهن لها علاقة مباشرة بتدبير المخاطر : Risk Management، هذا الأخير علم قائم بذاته له قواعد ومنهجية دقيقة موثقة في مراجع دولية، هدفه الأساسي هو جعلك تقترب أكبر قدر ممكن من تحقيق أهدافك الإستراتيجية.
أغلب الشركات تلجأ إلى تدبير مخاطرها لما لذلك من أثر على مردوديتها، خاصة الهيئات المالية، كونها تعي جيدا أهمية التعرف على الأخطار وتوقعها وتدبيرها بشكل يومي حماية لأهدافها الاستراتيجية ورقم معاملاتها، لكن تدبير المخاطر ليس حكرا على الشركات، بل يخص كل شخص يمتلك هدفا يحاول تأمين الوصول إليه لأقصى الحدود. في الدول العربية لدينا مشكل ثقافي يمنع تطبيق أبسط أبجديات تدبير المخاطر؛ فإذا حاولت التكلم عن المخاطر مع شخص معين، فإنه يعتبر ذلك فألا سيئا وفي أحسن الأحوال اتهاما مباشرا له بكونه لا يدبر أموره بالشكل الأمثل؛ فالقاسم المشترك إذن هو هاته النظرة السلبية لمفهوم الخطر، كما أن أغلبنا لديه جواب وحيد على جميع المخاطر المحتملة : أنه قضاء وقدر لا هروب منه ويجب القبول والرضا به. المبرر الديني يعتبر في هاته الحالة مجرد ذريعة نريح به عقولنا وضمائرنا من عناء التفكير والتوقع وحساب الاحتمالات والنتائج المتوقعة ومدى تأثيرها على الأهداف المسطرة… فالإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من الأخذ بالأسباب تدبيرا وعملا، لكن مشيئة الله تسمو وليس لنا إلا الرضى بالنتائج ما دمنا قمنا بكل ما في وسعنا لنيل مرادنا.

وللتوضيح نصوغ المثال الآتي : مَنْ مِن الأزواج حاول التفكير بشكل جدي في احتمال الطلاق الذي لا يناقش أحد نتائجه الوخيمة على حياته وحياة أبنائه المحتملين؟ أليس جديرا بالأزواج التطرق لهذا الاحتمال ومحاولة التفكير بالطريقة المثلى لتدبيره (إن وقع) مع مراعاة مصلحة الأبناء واحترام تاريخ مشترك بعيدا عن الحقد والضغائن، بل قد يكون للتفكير في مسألة سلبية كهاته وقع إيجابي على العلاقة الزوجية، لكونه حافزا على الابتعاد عن كل ما من شأنه زيادة احتمال وقوع هذا الخطر.
التكلم عن الأخطار المحتملة ليس شيئا سلبيا، بل من المفترض أن توقُّعنا للأخطار ومحاولتنا لصياغة خطط لتدبيرها في حال وقوعها، من المفترض أن يشكل ضمانة إضافية وعاملا مطمئنا لنا لا سبب انزعاج وتذمر؛ فتوقع الأخطار وصياغة مخططات لمواجهتها والإستعداد لها يخفف بشكل كبير من وقعها في حال حدوثها لا قدر الله، كما أن إغماض الأعين أمام أخطار حقيقية ومحتملة لا يعني انتفاءها، و لسان حالك يقول : كم من حاجة قضيناها…