هوس الإنجاز والظهور يتلف بوصلة العلم

276

وبينما هو مازال يحبو في الصفحات الأولى من الكتاب، الذي لم يُنهِ أول فصوله بعد، كان يرى أن أصحابه قد أنهوا عشرات الكتب والدورات التكوينية الإلكترونية في أوقات قياسية، ثم ينشرونها هنا وهناك في زهو وفرح. تسلل الضجر والسأم إلى قلبه شيئًا فشيئًا، حتى جاء يوم قد فاض به الضجر، فبدأ يتساءل: “لما أتقدم ببطء كالسلحفاة، بينما أصدقائي تقدموا بسرعة البرق؟”

أولا يا صديقي، العلم لا يوزن بهذا الشكل. ليس العلم بعدد الكتب التي تمر عليها بعينيك مرور الكرام، فتتوهم أنك أنجزت وأجزت فتقعد قعدة المثقف لتتفاخر بكمية تلك الكتب أمام الناس؛ ولا العلم بعدد تلك المحاضرات التي تسمعها كخلفية صوتية مُسليّة وأنت مستلق على سريرك بينما يسرق منك النوم التركيز الواجب، أو في المطبخ وأنت تحضر طبقك اللذيذ ومن ثم تتوهم أنك أنهيت عشرات الدورات وذاكرتها حق مذاكرة؛ و لا العلم بقدرتك على استخدام مصطلحات هلامية، تتظاهر بها على خلق الله؛ أو العلم بالتنطط والقفز بين الصفحات والبروفيلات على مواقع التواصل الاجتماعي، والدخول في صراعات ونقاشات وتصنيفات ليس لها داع، فتخلق بذلك ضجيجًا وتهكمًا بين الناس، ثم تغادر كأن شيئا لم يكن؛ ولا العلم بأن تقعد على مدار 24 ساعة على السوشيال ميديا، تسأل هنا وهناك عن كيفية التعلم والنصائح الواجب إتباعها أثناء ذلك، فتتوه بين ردود الناس، منهم من يتحدث عن تجربة وكثير منهم يتحدثون من فراغ؛ ولا العلم يا صديقي بأن تفتح على نفسك ألف باب لهلاكك وأنت ما زلت تخطو خطواتك الأولى، فتضيع بذلك بوصلة الطريق، وتصبح على ما أقدمت عليه نادما، وتنطلق بذلك رحلتك الخاصة بين الشكوى والتشتت والتسويف والحيرة.

إنما مبتغانا يا صديقي أن نتعلم كيف فكّر العلماء، وبأي منهجية أعملوا عقولهم لينتجوا لنا هذا العلم المخزن بداخل الكتب. أن نتدرب على اكتساب الأدوات العلمية والعملية الرصينة. وأن نُحصّل تلك الملكة العلمية، حتى تصبح لك صفة لازمة راسخة في نفسك ووجدانك. فإن حصّلتها أغنتك عن ألف كتاب، وما كان هدف أهل العلم بتأليف تلك المجلدات إلا لنقل هذه الملكة لمن بعدهم كي لا تندثر. وتذكر، أن أول العلم النّيَّةُ، ثم الاستماعُ، ثم الفَهمُ، ثم الحفظُ، ثم العَمَل. وإذا بلغت ذلك، فابدأ بالنَّشْر حتى تعم الفائدة المرجوة. وإذا أردت بلوغ تلك الدرجات من العلم، عليك أن تتخلص من هوس الإنجازات المادية والأرقام الإلكترونية، حتى تهدأ وتسكن نفسك. ثم تواضع والزم الصحبة الطيبة، واصبر على مشقة الطريق، ودع الجدال حتى ولو كنت محقًا.

الحل هو العمل على إصلاح مفاهيمك عن طريق التعلم الحقيقي، وأن تصلِح نواياك ومقاصدك، وأن تقعد في خلوة مع نفسك لضبط بوصلتها، وأن تبتعد عن اتجاه التيار حتى تفكر بهدوء ووعي وتنظر لنفسك من فوق. فطريق العلم صعب، ولا يخلو من ملل وإغراءات على جانبي الطريق، وله ثمن سيدفع من جيبك ووقتك وبدنك وملذاتك وعلاقاتك وراحتك وصبرك وأشياء أخرى كثيرة، فإن كنت مستعدا لذلك، وتناسيت هوس الإنجاز والظهور ستنال مرادك من العلم الكثير.