لحظات في حضرة الموت..

254

العاشرة وخمسون دقيقة بالطابق الواحد والثلاثين، في هذه الساعة بالضبط اهتزت الأرض ومَاجَت الطبيعة على مدينة تخلط الريف بالعمران وتضع الصين داخل الزمن المقبل. كنت جالسة ساعتها أنقر على الحاسوب بملل، فإذا بالأرض تدور من حولي والثريا المعلقة بسقف الغرفة تحظى برقصة وتميل  يمينا وشمالا، تهنئة منها للطبيعة على قدرتها على أن تضرب بمجهودات البشر لجعل البنايات مضادة للزلازل عرض الحائط.

خَفَقَان دام لثوان معدودة، كان كفيلا بأن يجعل كياني في اضْطِراب دام بعدها لساعات ثم لأيام ليمتد لشهور.

زلزلت الأرض زلزالها، هرعت نحو باب البيت والصراخ يملأ أدراج البناية بأكملها والكل فار بجسده.
لا أعرف المدة بالضبط التي كلفتني تخطي إحدى وثلاثين طابقا، لكنها كانت أول مرة أتشارك فيها عملية الفرار مع كائنات أخرى كالكلاب مثلا! الكلاب التي كنت أخشاها من قبل رافقتني في رحلة نزول إحدى وثلاثين طابقا في أجواء تصقع عمت بها الفوضى والتناقض والغربة.
أذكر أني بلغت باب البناية الكبير بصعوبة قصوى، أسأل من حولي ماذا يحدث ولا أحد يفهم ما أنطق به فأتهته لوحدي: “إنها الموت لا محالة”.
الناس ساعتها كانت قد فرت بما عليها، الكل متوجه إلى حديقة البناية التي تحولت في دقائق إلى تجمع بشري هائل.
كنت أترقب أنا الأخرى ما سيحدث وفي ذهني شريط حياتي يدور دون توقف، في لحظة انصهر فيها المنطق، والتحليل، والرغبات، والنزوات، والشهوات والأحلام المؤجلة واندثر معها اسمي وعنواني وأصل قبيلتي، وبقي سؤال إشكالي واحد: هل الموت في طريقه إلى هنا؟


قبل هذه الواقعة لم أكن قد فكرت في الموت أبدا مع أن الموت آت آت، لكنني لم أكن أستحضره في سلوكاتي وخطواتي، كنت أعيش متناسية له، كنت أتأثر عند موت حبيب لكنني كنت أستثني نفسي والموت عادل جدا لا يستثني أحدا مهما كانت زمكانية الحدث!
نزول إحدى وثلاثين طابقا مهرولة أتخبط أدراج البناية، جعلني أشارفه، وأنا أرى كيف يفر المرء من كل شيء نحو أي منفذ إغاثة،  غير مبال إلا بنفسه.
يريد أن يتمرد على الموت والموت لا يموت. مما لا شك فيه أن هذا عائد لعدم تصحيح علاقتنا معه، تناسيناه وتجاهلناه في عصر أخذتنا فيه أمور الدنيا، كلنا مسرع ومتسرع، لعابنا يسيل لشهوات الدنيا وتحقيق الأحلام المعلقة على جدار الانتظار، يسيل للجاه والعظمة و الجبروت.
هذه دنيانا التي نترك فيها الصلاة وعمل الخير، نقطع فيها الأرحام ونعبد الفردانية والأنانية، من أجل هذه الدنيا التي حلالها حساب وحرامها عذاب!
الموت في المنطق السليم هو شيء كبير جدا، نلوح به لترهيب الطغاة المجرمين كعقاب أخروي، الموت مصيبة لها وقار، علينا استحضارها في كل ساعة. فالإنسان كائن نهائي، مهما عتى ومهما عاش.
إنها حكمة من الله عز وجل أن ننتهي ونفنى ونخلص من الدنيا، لأن الموت مجدول بحياتنا، ولكي نحيا لابد أن نموت، و لنتذكر أن كل خطوة نخطوها تبعدنا عن الحياة وتقربنا من الموت كنقطة بداية بمعايير خاصة جدا.