“أزمة المصطلحات: بين الموقف الانهزامي والغزو الحضاري”

113

 

لا أكاد أبالغ إذا قلت إن الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم لدى الباحثين والمشتغلين بالدراسات الإسلامية هي أزمة مصطلحية وحرب فكرية على منظومة المفاهيم المركزية الكبرى التي تشكل هوية المسلمين وتراثهم وحضارتهم، وهذا ناتج أساسا عن تحديات العولمة على الفكر الإسلامي من خلال الغزو الذي تتعرض له الحضارة الإسلامية في مقابل جمود إنتاجها الفكري وانبهار الشباب المسلم بثقافة الحضارة المادية المستكبرة.

ثم إن الشريعة الإسلامية حكمت بضرورة تسمية الأشياء بمسمياتها، وفي القرآن الكريم إشارات وتنبيهات إلى ضرورة الأخذ بمبدأ التدقيق في المصطلحات نظرا لما يترتب عن التسليم ببعضها من خلل عقائدي وضرب في الهوية وتعزيز لمعاني الاستهلاك والضعف. وقد أرسى القرآن الكريم دعائم هذا المنهج في مواطن كثيرة نذكر منها على سبيل المثال قول الله عز وجل” قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا….” لأن القوم صدقوا بألسنتهم ، ولم يصدقوا قولهم بفعلهم ، فقيل لهم : قولوا أسلمنا لأن الإسلام قول ، والإيمان قول وعمل،فوجب التفريق بينهما.

وقال تعالى على لسان موسى في قصته مع فرعون”إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين” وفي موضع آخر يقول فرعون عن موسى” إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد”

مقالات مرتبطة

فكل من موسى عليه السلام وفرعون استعمل نفس المصطلح وهو الفساد ولكن الله عز وجل يقول” والله يعلم المفسد من المصلح”، فالصلاح والفساد قيمتان داخليتان ترتبطان بوجدان المرء وكينونته، ولا يمكن تقويم هذه القيم إلا من خلال الممارسة العملية السلوكية التي بينت لنا من منهما حقيق بحمل صفة الفساد.

ثم إن مؤامرة تحريف المصطلحات ليست بالأمر الجديد،فأول من تلاعب بالمصطلح الديني هو إبليس عندما شوه وحرف مفهوم الشجرة في القرآن الذي ورد مطلقا فقيده بوصف”الخلد” ليغوي آدم وقد نال مراده في ذلك، ثم تطور الأمر في عصرنا هذا عصر تزوير الحقائق وتشويه المصطلحات حتى أضحينا نسمي الجهاد مقاومة شعبية مسلحة ونسمي الزانية أُما عازبة والرشوة قهوة والربا فائدة والانحلال الخلقي حرية شخصية والخمور مشروبات روحية ،وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال ” ليَشربَنَّ أناسٌ من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمِها”.

والقائمة تطول ما دام الوعي بخطورة مؤامرة المفاهيم غائبا عند الشباب المسلم الذي ينتظر منه اليوم رفع تحديات كثيرة على مستوى الحرب الإعلامية الممنهجة.

وهكذا فإن عزل المصطلح عن سياقه وعن دلالته الصحيحة هو ضرب من التلبيس للحق بالباطل قال تعالى”يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون”- لذلك وجب الوعي بخطورة الغزو المفاهيمي على الأمة والمحافظة على المصطلح الشرعي وفق دلالته حتى يؤدي وظيفته في الحكم على التصورات وضبط العلوم.

ومن ثم فإن أول خطوة لبلوغ التغيير المنشود هي تنشئة الشباب المسلم على تسمية الأمور بأسمائها الشرعية انطلاقا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتربيتهم في المؤسسات التعليمية على تمييز الأصيل من الدخيل في الثقافة الإسلامية حفاظا على الهوية واحترازا من تشويه المصطلح باعتبار ذلك أول خطوة لهدم الدين.