جودة  أحاسيسنا..

177

نصف الجملة تقول أحيانا عكس ما تعكسه الجملة كاملة، لا بل أحيانا تقول عكس المعنى المراد إيصاله للمتلقي؛ لذا يكفي أن تزيل جزء من الجملة ليتغير معناها كاملا أو يفيد العكس، ويحدث هذا في جل المعلومات، سواء المكتوب منها أو الملفوظ، وأقوى مثال على ذلك قد ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ويل للمصلين}، وتتمتها: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}، حيث إن المعنى قد تغير تماما عن الرسالة التي أراد منا سبحانه وتعالى أن نتلقاها إذا ما توقفنا عند “ويل للمصلين” دون أن نكمل تتمة الآية.

هناك آية أخرى تجسد بشكل رائع هذه الظاهرة، وهي قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}، المعنى هنا قريب جدا من الرسالة إلى درجة المغالطة، وبهذا نجد أن الجميع يدعو ويطنب في الدعاء، ولا شيء يتحقق، ليس لأن الله عز وجل لا يريد تحقيق الدعاء، بل لأننا لم نقرأ تتمة الآية لنعلم شروطها، حيث أتمها عز وجل بقوله: {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.

ولكي تتوازن المعادلة بين الدعاء والاستجابة، وجب أن يكون لنا دور في هذه الموازنة، وهو أن نفهم الرسالة كاملة، ونحيط أنفسنا بجميع جوانبها الظاهر منها والباطن، فالاستجابة ليست جزئية أو مؤقتة، بل هي نمط حياة.. أن نعمل بالأسباب لنحصل على ما نريد، بما فيه من اتباع لشعائر الله والاستجابة لأوامره.

رفع الأيدي بالدعاء ليس هو عملنا الوحيد، ألم نسأل أنفسنا يوما لماذا الدعاء عمل ليلي تهجدي في الغالب، وليس عملا صباحيا؟ هو كذلك لأن الصباح للعمل والعبادة، والعمل عبادة أيضا.

مقالات مرتبطة

يمر بعضنا بأزمات شخصية كبيرة، فنجد الكل ينصح بالدعاء، وأن الله قريب.. فلا تقوم بشيء سوى رفع الأكف للدعاء؛ والحال أن الأمر ناقص بمضمونه، وحين لا يستجاب دعاؤنا، تبدأ الانتكاسة والإحباط، وهذا الأمر يولد أزمة مضاعفة، وينتهي بفئة قليلة إلى الإلحاد، فقط لأنهم فهموا معنى الآية ناقصا، ولم يستوعبوه كاملا؛ لذا أتم الله عز وجل الآية بـ: {لعلهم يرشدون}، والرشد هو النضج، والنضج هو ما يوازن المعادلة القائمة بين الدعاء والاستجابة.

نسأل أنفسنا باستمرار لماذا دعاؤنا لم يستجب، والحقيقة أننا تصورنا أن المطلوب هو الدعاء فقط، أجل الدعاء مطلوب لكن بعد العمل، وهنا لن يخذلنا المولى أبدا.. يكفي أن نكون صادقين في دعائنا، وعاملين بالأسباب، يكفي أن نخضع لأوامره ونمتثل لسنة نبيه، ونخِرَّ بوجهنا إلى الأرض للصلاة.

وتذكروا دائما: لن يخذلكم المولى ما دمتم لم تخذلوا أنفسكم.

 

عن سلسلة (العقل زينة) لسائد دزدار.

تفريغ: رهام اليماني.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.