التحرش الجنسي..

164

“اسمي محمد مايكل، وقد آثرت أن أسرد قصتي باسم مستعار لأحمي عائلتي من الخزي والعار، إذ لا أستطيع أن أتصور النظرة على وجه والدتي إذا علمت أن ابنها قد اعتدي عليه جنسيا طوال سنوات طفولته، بل إن عدد الأشخاص الذين اعتدوا علي خلال هذه السنين قد تعدى خمسة وعشرين شخصا، حتما إن هذه المعلومات ستقتلها.

أنا محمد مايكل أعز أصدقائك، أخوك، ابنك، ربما أنت؛ أنا أحد الأطفال الذين سُرقت منهم براءة طفولتهم بأقصى الطرق الوحشية، أنا هنا لأُسمِع العالم العربي قصتي لعلي بذلك أسهم في حماية آلاف الأطفال من الضحايا الصامتين”.

يوجد في العالم العربي آلاف من الأطفال يعانون مثل معاناة محمد مايكل، فإلى متى نُبقي رؤوسنا مغروسة في الرمال، وندعي أن كل شيء على ما يرام، بدلا من مواجهة الحقائق ومعالجة الأسقام؟

تُعرّف جمعية الأطباء النفسانيين الأمريكيين الإساءة الجنسية للطفل على أنها “استخدام الطفل لإشباع الرغبات الجنسية لبالغ أو مراهق”، وهذا يشمل تعريض الطفل لأي نشاط أو سلوك جنسي، أو الضغط عليه للانخراط في أنشطة جنسية، أو التعرض غير اللائق لأعضائه التناسلية، أو استخدام الطفل في إنتاج المواد الإباحية.

أصدر المعهد الطبي الوقائي والاجتماعي بجامعة بورن بسويسرا بحثا تضمن مراجعة كل الدراسات والأبحاث التي نشرت بين عامي 2002 و2009، والتي أشارت لحالات التحرش الجنسي بالأطفال ممن هم دون الثامنة عشر، وكان مجموعها خمسة وخمسين بحثا ودراسة في أكثر من أربع وعشرين دولة، وأظهرت النتائج أن أقل نسبة بين الفتيات كانت %8، وأعلاها %32، وبين الأولاد كانت أقل نسبة %3، وأعلاها %17، ممن تعرضوا للتحرش الجنسي.

وفي إحصائية حديثة لرابطة علم النفس الأمريكية، أوضحت تعرض فتاة واحدة على الأقل من كل أربع فتيات، وولد واحد من كل ستة أولاد للاعتداء الجنسي في فترة حياتهم ما قبل سن الثامنة عشر، %10 من كل هؤلاء في سن ما قبل المدرسة، و%82 من الاعتداءات حصلت في أماكن يفترض أن تكون آمنة للطفل، و%50 من جميع الاعتداءات وقعت إما في منزل الطفل أو المعتدي، و%90 من هذه الحالات يكون فيها المعتدي قريبا من الطفل، وما يقارب %30 يكونون من أقارب الطفل، وجلهم من الإخوة أو الآباء أو الأمهات أو الأعمام أو أبناء العمومة، ونحو %60 من معارفهم الآخرين، مثل أصدقاء الأسرة أو المربيات أو الجيران، وأما الغرباء فَهُم جناة في نحو %10 فقط من حالات الاعتداء.

إن جريمة الاعتداء الجنسي على الأطفال منتشرة في العالم العربي أكثر مما يتوقع الكثيرون، وذلك لأسباب عديدة، على رأسها ما يسمى بمؤامرة الصمت، وهي السرية التي تغلب على مثل هذا النوع من الجرائم خوفا من الفضيحة والخزي والعار، وحماية من الملاحقة القانونية للمعتدي من الأقرباء أو الأصدقاء أو الجيران.

وفي دراسة قام بها الباحث الفلسطيني البروفيسور مروان دويري، وجد أن %50 من الذكور و%31 من الإناث، صرحوا بأنهم كانوا عرضة للمس أعضائهم الجنسية رغما عنهم من قبل آخرين، وفي دولة أخرى مثل السعودية كشفت دراسة أجراها مركز أبحاث مكافحة الجريمة بوزارة الداخلية تفشي ظاهرة إيذاء الأطفال في المجتمع السعودي بشكل عام، حيث اتضح أن %45 من الحالات يتعرضون لصورة من صور الإيذاء في حياتهم اليومية، وبينت الدكتورة وفاء محمود، الأستاذ المساعد في جامعة الملك سعود، أن دراسة أخيرة كشفت أن نسبة التحرش الجنسي بالأطفال مرتفعة، إذ يتعرض طفل من بين أربعة أطفال لهذا التحرش، كما أن %62 من الحالات كان المعتدي هو أحد الأقرباء، أو ممن تربطهم بالطفل علاقات عائلية، وأن السن التي يكون فيها الطفل أكثر عرضة للاعتداء تكون ما بين ست وعشر سنوات.

مقالات مرتبطة

وكشفت الدكتورة نورة إبراهيم الصويان، المديرة في برنامج الأمان الأسري بالحرس الوطني بالسعودية، أن عدة دراسات أكدت أن %23 من الأطفال بالممكلة تعرضوا للتحرش الجنسي، وأن %62 منهم رفضوا الإفصاح عن الأشخاص المعتدين عليهم، وأرجعت الدراسات ذلك إلى حساسية العلاقات التي تربطهم بهم، بل وما يفاقم الأمر في عالمنا العربي هو غياب ثقافة الحوار بين الأطفال والآباء، وخوف الأطفال ألا يصدقهم الكبار، والخوف من نتائج الإخبار والإشهار وفضح الأسرار، وسيطرة ثقافة التلقين والتلقي، وهي تجسيد لفكرة الفاعل والمفعول به، حيث أن الكبار يلقنون والصغار يتلقون دون مناقشة أو تفكير، فيتلقون الحقائق والمعلومات بل وفلسفة الحياة كما يتلقون الإهانات والتوبيخ، والعنف الجسدي والجنسي دون مقاومة أو رفض أو نقاش، وهذه نتيجة متوقعة ومحصلة حتمية لهذه الآلية التلقينية الفوقية للتعليم والتربية، والتي كما تؤسس الطاعة والاحترام للكبار، فإنها للأسف الشديد ترسخ كذلك الخضوع لرغبة الكبار، وإن كان فيها أذى للصغار.

إن التكتم والتعتيم قد يؤديان إلى نتائج عكسية، لأن الطفل سيبدأ في اجترار ما تعرض له، وهذا يمكن أن يؤدي إلى مشاكل نفسية، بل وأمراض عقلية؛ وتوجد آثار قريبة المدى، ومؤشرات نفسية وسلوكية يستدل بها الآباء والمربون على وجود اعتداء جنسي على الأطفال، منها التغير المفاجئ في شخصية الطفل من مرِحٍ إلى حزين ينزع إلى الانطوائية والاكتئاب، وفقدان الثقة بالذات وبالآخرين، والشعور بالذنب، واضطرابات في النوم وكوابيس، ومشاكل مدرسية، بل وسلوكات تدمير الذات والأفكار الانتحارية.

أما على المدى البعيد فينشأ اضطراب الشخصية، وإدمان وعنف وعدوانية، وأمراض عقلية، ومشاكل اجتماعية وعاطفية وجنسية، فقد بينت الدراسات أن %80 من متعاطي المواد الضارة (الكحول والمخدرات) قد تعرضوا للاعتداء الجنسي في طفولتهم، وكذلك %95 من العاهرات تعرضن للاعتداء الجنسي في طفولتهن، كما أن %59 أيضا من المعتدين على الأطفال تعرضوا هم أنفسهم للاعتداء في طفولتهم؛ وبذلك يصبح الواحد منهم معتديا بعد أن كان ضحية.

إن أهم طرق حماية الطفل من الاعتداء الجنسي هي الوقاية، وذلك بتوفير جو من الأمن الأسري يكون الطفل فيه قادرا على التحدث مع والديه بأريحية، وتعليم الطفل في البيت والمدرسة المعلومات الأساسية للثقافة الجنسية، وملكيته الكاملة لأعضاء جسمه، وبناء الثقة فيه للدفاع عن نفسه، وأن يقول “لا” لأي فعل غير طبيعي وإن صدر من أي شخص كائنا من كان، دون اعتبار لأي صداقة أو قرابة أسرية، وأن يعلَّم كل طفل في المدرسة كيف يتصل برقم الهاتف المخصص للإبلاغ عن أي نوع من الاعتداء عليه، أو طلب المساعدة؛ وتوجد العديد من تجارب الدول التي تخصص خطا ساخنا للأطفال، بل وتوزعه عليهم في المدارس.

إن حماية الأطفال من الاعتداء الجنسي لم تعد مجرد واجب أخلاقي، وإنما أصبحت حالة طوارئ ومسألة بقاء وطنية، وهي مسؤولية عظيمة مشتركة بين البيت والمدرسة والمجتمع، والتقصير فيها فساد عظيم، وهل يوجد إفساد أعظم من أن تفسد النفس البشرية، وتنتكس الفطرة السوية لطفل اليوم، الذي هو رجل وامرأة الغد، على يد مجرم منحرف مفسد نتيجة إهمال الآباء والمربين، أو جهلهم بما يجب عليهم أن يعلموه أبناءهم لحماية أجسادهم وعقولهم ونفوسهم من أعظم الجرائم ضد الإنسانية؟

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة”، و”كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”.

 

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي

تفريغ: ‎حبيبة واديز

التدقيق اللقوي: مصطفى الونسافي