حفل زفاف في غوانتنامو..

103

 

أثناء سجنه لمدة 14 عاما، يتعلم شاب يمني الحب على يد زميل محتجز، وإغوانا (نوع من السحالي).

حتى عمر الخامسة والثلاثين، أهم علاقة لي كشخص بالغ كانت مع الإغوانا. لم يكن من السهل مقابلة أي شخص في معسكر السجن بقاعدة غوانتنامو البحرية في كوبا، حيث كنت تقريبا في العشرينات من عمري. بعد وصولي، وُضِعْت في زنزانة انفرادية، كان يوجد كم هائل من المراوح خارج كل زنزانة يعمل ليلا ونهارا، مما يحدث ضجيجا يصم الآذان لمنعنا من التحدث مع بعضنا البعض.

حتى عندما خرجنا للترفيه، لم يُسمح لنا بالتحدث إلى المحتجزين الآخرين. لكن في الخارج التقينا بأصدقاء جدد: القطط، والفئران، والطيور الصغيرة، والإغوانا التي جاءت عبر الأسوار، مطالبة بمشاركة وجباتنا.

كانت لدي صداقة جيدة مع شابة جميلة، إنها الإغوانا؛ كانت أنيقة جدا، وكانت تأتي كل يوم في نفس الوقت، نتناول الغداء معا. عندما أضربت عن الطعام، لم يكن لدي طعام لأعطيها إياه، وخجلت من الوقوف هناك دون أكل وهي تصعد إلي. أحيانا يعاقبنا الحراس على مشاركتنا وجبات الطعام مع الحيوانات، لكنهم لم يتمكنوا من منعي من التحدث إليها.. لم تستطع التحدث، لكنها كانت مستمعة جيدة. مع مرور السنين، توطدت صداقتنا إلى رابطة قوية.

أخيرا، بعد سبع سنوات من العزلة، تم نقلي إلى جناح مشترك، حيث يمكنني التحدث مع زملائي المعتقلين. لقد ولدت في قرية صغيرة في جبال اليمن، وكان عمري 19 عاما عندما جئت إلى غوانتنامو، لم أكن أعرف الكثير عن العالم؛ الآن صار معتقل غوانتانامو هو عالمي وقريتي الصغيرة.

حتى سن الثانية عشرة، اعتقدت أنني ولدت من ركبة والدتي؛ حتى تعلمت في المدرسة من أين أتى الأطفال حقا، لكن لم يكن لدي علاقات غرامية أو مواعدة في مجتمعي، لهذا بقيت معرفتي نظرية، والشيء نفسه بالنسبة لمعظمنا، قليلون من كانوا متزوجين أو يعرفون الكثير عن العلاقات بين الرجل والمرأة.

ومع ذلك، كان الحديث عن النساء هو موضوعنا المفضل، ليس بطريقة سيئة، لأننا كمسلمين يحرم علينا التحدث عن النساء بطريقة سيئة. لكن الحديث عنهن يشعرنا بالراحة. عندما يروي شخص ما قصة عن امرأة، سوف نستمع إليه جميعا. بينما كنا محاطين بالرجال تخيل كل واحد منا أنه يحب امرأة.

لم نكن وحدنا من نشتاق إلى النساء، الحراس أيضا. كان هناك عدد قليل جدا من الحراس الإناث. رأى أحد المعتقلين المتزوجين والأكبر سنا أن السجناء العازبين كانوا متشوقين لمعرفة ما يتعلق بالنساء، لذلك قرر أن يعلمنا، فعملنا على تنظيم فصول وأن نتعلم من بعضنا البعض أي شيء يمكن تعلمه..

على سبيل المثال، قام رئيس الطهاة السابق بتدريس فصل الطبخ. كان يقول: “الآن، سأضيف البصل إلى الزيت الساخن “سششش سشش”، وهو يقلد صوت قلي البصل لأنه بالطبع لم يكن لدينا بصل أو زيت أو مواقد. كان يتصرف بطرافة، إذ يطلب من الطلاب تذوق الأطباق للتحقق مما إذا كان فيها القدر الكافي من الملح أو إذا كان اللحم جاهزا، على الرغم من عدم وجود لا الملح ولا اللحم؛ لم يكن يعجبني هذا الفصل لأنه يجعلني فقط جائعا.

في اليوم الأول من فصل الزواج، بدأ مدرسنا بسؤال كل واحد منا عما يعتقد حول كيفية تعامل الرجال مع النساء؛ اتفقنا على أن الرجال يجب أن يحترموا النساء احتراما مطلقا، لكن العديد من الطلاب قالوا إن الرجال كانوا دائما وسيظلون أرفع مقاما من النساء.

سأل المعلم: “إذا كنت امرأة، كيف تجيب عن سؤالي؟ كيف تريد أن يعاملك الرجال؟”، في البداية بدأنا نضحك ونتخيل بعضنا كنساء.

“انظروا إلى منصور وهو يكسوه الشعر في كل مكان من جسده”، صرخ أحد المحتجزين في وجهي: “أنت تخيف كل الرجال”، وقال آخر: “إذا كنت امرأة، فسأجعلكم تحلمون وتبكون وتنفقون كل أموالكم، لكن لن يمس أي واحد منكم شعرة واحدة مني”.

تركَنا المدرس نضحك بعض الوقت، ثم قال: ”أجيبوا عن السؤال يا سيدات”.

مقالات مرتبطة

قلت أنا: “إن كنت سأختار شخصا يرافقني طوال حياتي، فإنني أريد زوجتي أن تكون أفضل مني”.

حاول أحد الطلاب إحراجي بقوله: “إذن هل ستسمح لزوجتك أن تكون المسؤولة؟ هل يجب أن يكون الرجال كالحمير يخدمون النساء؟”، جادلته بقولي: “إن الرجال اعتقدوا على مر التاريخ أنهم الأفضل، لكن انظروا أين نحن الآن، حرب بعد حرب بلا نهاية، الرجال لا يحافظون أبدا على حياة أي نفس، بل يسلبونها فقط”.

قلت إننا جميعا مذنبون أو أبرياء نجلس هنا في غوانتنامو نتحدث عن الزواج بدلا من تجربته بسبب ما فعله الرجال؛ انتهيت بالإشارة إلى أننا جميعا نعلم أنه حين كان القائد المسؤول عن حراسنا امرأة، فقد عشنا حياة أكثر سلمية؛ وعندما كان القائد رجلا كنا أكثر عرضة للمعاملة السيئة.

قال أحد السجناء ضاحكا: “منصور منحاز للنساء”، بينما قال آخر: “لو كنت امرأة لتزوجتك”؛ وبينما ظللنا نلتقي خلال فصل الزواج، حدثنا مدرسنا عن الحب وكيف نحب، ووصف لنا حالنا عند رؤية ومحادثة المرأة التي نحب، وأخبرنا كيف يجب أن نتصرف عند ارتباطنا.

ثم كان لدينا فصل كامل مخصص لأكبر يوم في حياتنا، يوم الزواج؛ تظاهرنا بأن أحد الطلاب قد تزوج، وأقمنا عرسا تقليديا، غنينا ورقصنا كما لو كان زواجا حقيقيا. لم أقع قط في الحب، لكن الآن يمكنني أن أشعر بحلاوته تماما مثل فصل الطبخ، جعلني فصل الزواج أكثر جوعا، ندمت لأنني لم أتزوج قبل قدومي إلى غوانتنامو، شعرت أن جزء مفقودا من نفسي، وكان هذا الجزء هو الزوجة والعائلة.

لفترة من الوقت كان لدي في زنزانتي صورة من صديق لابنته ذات العشر سنوات، صنعت إطارا من قصاصات الورق المقوى محاطا بورد، وعلقت الصورة على الحائط، وكلما جاء الزائرون إلى زنزانتي وددت لو أخبرتهم أنها ابنتي، وعندها يبدون مندهشين بأن لدي ابنة شقراء، ويشرعون في طرح المزيد من الأسئلة حول الأم، أود أن أقول أنني لم أقابلها قط، لكن مع ذلك لدي ابنة واحدة، أعطيتها اسما عربيا “آمال”، ليوحي إلي بالأمل.

في إحدى الليالي، جاء الحراس وألقوا علينا الفلفل الحار، وأزالوا كل شيء موجود في زنازيننا، ورموا مع تلك الأشياء أملي بعيدا.. كنت أستطيع التوقف عن الذهاب إلى دروس الزواج أو الحلم بالحب، لكن الشيء الوحيد الأصعب من أن تعيش حياة بلا حب، هو أن تعيش حياة بلا ألم، الألم يخبرنا بأننا أحياء، ولا زال لدينا إحساس؛ أحيانا الألم كالحب، لأنني لا زلت أستطيع أن أتخيل الحب حتى بدون صورتي، لا زال لدي الأمل.

بعد سنوات عديدة من عدم تمكني من التحدث مع عائلتي، سمح لي بإجراء مكالمات هاتفية معهم، كان أحد الأحاديث عن محاولة ترتيب زواج لي، وقد أغريت بقبول هذا الأمل، لكن في فصل الزواج، ناقشنا مشكلة الزواج القسري في بعض البلدان؛ ففكرة بيع البنات مثل الغنم تؤلمني، ولهذا رفضت هذه الإمكانية.

في اليوم الأخير من فصل الزواج، أخبرنا مدرسنا أن نتذكر دوما أول سؤال طرح علينا حول كيفية معاملة المرأة؛ الآن كلنا نتوفر على إجابات مختلفة، أوضح لنا وجهة نظره، وتمنى لنا زيجات سعيدة، وحياة طيبة مليئة بالحب.

خلال سنة 2016، بعد احتجازنا لأكثر من 14 سنة، أطلق سراحي من غوانتنامو، لكن لم يسمح لي بالعودة إلى اليمن، وبدلا من ذلك أعيش في صربيا وحيدا، لم أجد حتى الآن امرأة لتكون زوجتي وصديقتي وتعلمني فن الحب، ولم يعد لدي إغوانا ثانية.

لكن بفضل صديقتي، الإغوانا الجميلة، تعلمت كيف أعتني بالآخرين، ذكرتني بكيفية التواصل مع الحياة وراء قضبان السجن؛ وبفضل فصل الزواج، أعلم أني سأصير يوما ما زوجا صالحا وأبا محبا.

أملي لايزال حيا، يساعدني على مواجهة مصاعب الحياة اليومية؛ أتمنى أن ينفعنا هذا الأمل والحب في التغلب على العقبات التي نواجهها كأمم أيضا.

 

 

ترجمة: ايمان صابري

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي

الرابط: https://www.nytimes.com/2018/07/27/style/modern-love-marriage-class-at-guantanamo.html