التعليم التفاعلي..

86

إن أفضل استثمار على وجه الأرض هو الاستثمار في الإنسان، وأقومه وأبقاه هو الاستثمار في عقل الإنسان.

بيَّن الفيلم الوثائقي “في انتظار سوبرمان” أن أهم عامل لإنجاح منظومة التعليم والمعلم، أن الطالب بين يدي معلم قوي يستطيع أن يُحَصِّل ثلاثة أضعاف العلم مقارنة به عند معلم ضعيف، أو بمعنى آخر أن تحصيل عام واحد من معلم قوي أفضل من تحصيل ثلاثة أعوام من معلم ضعيف. وهؤلاء المدرسون اعتمدوا في طريقة تدريسهم الانتقال بالتعليم من المنظومة التقليدية التلقينية إلى ما يسمى بالتعليم التفاعلي النشط.

فما هو التعليم التفاعلي؟

إنه تصميم المنظومة والوسائل التعليمية بما يتوافق مع الطريقة الطبيعية الفيسيولوجية لتنقل المعلومات في أجزاء من الدماغ أثناء عملية التعلم، وهي ما يسمى بدائرة التعلم، وتتكون من أربع مراحل:

  •  المرحلة الأولى: استقبال المعلومات من العالم الخارجي باستخدام الحواس الخمس، وتجميعها في جزء من قشرة الدماغ.

 

  •  المرحلة الثانية: وهي مرحلة التأمل والتفكر في المعلومة المستقبلة في منطقة الفص الصدغي في الدماغ، وهي عملية تتم بين الإنسان وذاته فهي شخصية وذاتية جدا، وتحتاج إلى وقت مخصص للتفكر والتأمل في المعلومة؛ وبطريقة غامضة وفجأة! يأتي الفهم العميق الراسخ من أعماق الإنسان ليصبح أشبه بالبصيرة النافذة التي تستحث التجديد والإبداع والاختراع، وبدون هذه المرحلة تصبح المعلومات سطحية ومبتورة ومؤقتة، كالحفظ قبل الاختبارات من أجل كتابة الإجابة الصحيحة.

 

  •  المرحلة الثالثة: ينتقل الطالب من دور مستقبل المعلومة إلى تكوين المعرفة، وذلك في قشرة من الدماغ تسمى “Prefrontal lobe”، حيث تتم إعادة تشكيل المعلومات لتربط المعلومات السابقة بالحديثة، بمنطق تركيب المعلومات في دماغ هذا الإنسان، حيث أن لكل إنسان طريقته الخاصة.

 

  •  المرحلة الرابعة والأخيرة: وهي تفعيل هذه المعلومات والأفكار في الدماغ من النظرية لتصبح تطبيقات عملية، وأمثلتها: القدرة على شرح المفاهيم للآخرين، أو الدخول في حوار أو نقاش، أو تقديم المحاضرات فيها؛ والدراسات تثبت أن هذه المرحلة هي من أهم المراحل في ترسيخ المعلومات وتعميق المفاهيم.
مقالات مرتبطة

وقد أكدت دراسات عديدة أن هذه الخطوات الأربع لا تتم في التعليم التلقيني السلبي الجامد، وبذلك فإن طلبة الفصل قد يستمعون للمعلم ولكن ليس بالضرورة أنهم يتعلمون أي شيء، فبدون التفاعل ليس هناك تعلم، بل إن دراسة حديثة أوضحت أنه حين يتحول المعلم من الطريقة التقليدية لتعليم مادة الفيزياء إلى الطريقة التفاعلية، فإن مدى استيعاب الطلبة للمادة يتحسن بنسبة تتعدى %50، وهذا متوافق مع ما يشاهد في تقنية الأشعة الحديثة باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي، فبمتابعة سير الدم في الدماغ أثناء عملية التعلم، وُجِد فرق كبير في النشاط الدماغي بين التعليم التفاعلي والتعليم السلبي في منطقة من الدماغ تسمى Hippocampus، وكذلك مناطق أخرى عديدة في الدماغ مسؤولة عن تكوين ذاكرة جديدة، بل والسيطرة والتحكم في هذه الذاكرة، وكذلك وظائف أخرى هامة للتعلم والفهم؛ وبما أن هذه المنطقة أيضا مسؤولة عن العواطف والأحاسيس، فإنه على قدر حبنا وشغفنا ومتعتنا لما نتعلمه على قدر سهولة تحصيل العلم وعمق فهمنا له.

عند تصميمنا لمناهجنا الدراسية وأساليب تدريسها وتأهيلنا لمعلمينا، لا بد أن نسأل أسئلة مهمة: هل استخدمنا أفضل وسائل التقنية في نقل المعلومات إلى أكبر قدر من الحواس أثناء التعلم؟ هل تركنا مساحة كافية من الوقت وصفاء الذهن للطالب للتفكر والتأمل في المعلومات المنهمرة عليه، وحث عقله على السؤال والتفكير بها بدلا من قلقه من نجاحه في اختباراته؟ هل وثقنا بقدرة عقل كل طالب أن يفكر بطريقته الخاصة؟ بل هل احترمنا خصوصية طريقة تفكيره، وبنينا فيه الثقة ليستطيع أن ينتقل من مرحلة استقبال المعلومات التي تُكون المعرفة والأفكار والمفاهيم الجديدة؟

إن معظم مناهج التعليم تركز على المادة والمحتوى الذي يجب على الطالب أن يتعلمه، لا كيف يستقي المعلومات، ولا كيف يكون محبا وعاشقا للعلم والمعرفة.

نعم كثيرا ما نفشل في أن نجذب الطلاب للمعرفة والعلم، فيفشلون في تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة من الأفكار التجريدية إلى تطبيقات عملية، فيتغيرون بذلك العلم ويغيرون العالم من حولهم.

إن أزمة العقل العربي هي في نظام التعليم، فنظام التعليم الحالي يحتاج إلى تغييرات جذرية لنخرج عقولا مفكرة مبتكرة ومجددة. إننا في أمس الحاجة لنهضة حقيقية في التعليم، لنخرج بها جيلا يستطيع بإذن الله أن يعيد لنا أمجاد السابقين.

 

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ : هالة أزام الحساني.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.