في الجمال و الجغرافيا … و أشياء أخرى..

634

لماذا قد يعشق رجل امرأة دون غيرها من النساء؟ هل لجمالها؟ فكثيرات هن الجميلات، أم ربما لدلالها، و لكن المدللات يصبحن بعد حين مزعجات. و قد يجيب بعض المتعالمين بأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد إفرازات هرمونية تقوم بتحفيز التجاذب الجنسي … عفوا، فالكلام هنا ليس عن مملكة الحيوان. ثم قد يجيبك بعضهم فلمالها و حسبها و دينها… و لكن مهلا، فحديثنا عن حب امرأة لا عن نكاح العفيفات.

و ما دام الحديث عن الحب، فكيف حين تسأل أحدهم عن أحب أنواع الموسيقى إلى سمعه، أو عن أقرب الأطباق إلى ذوقه، فهو يجيبك فورا و في تلقائية كردة فعل غريزية متبثة في أعماقه. و كذلك حين تنصت إلى بعض الشعر فقد تخال نفسك قد استمعت إليه من قبل، و ربما حصل ذلك من قبل أن تولد، فهل طابق الطعام حاسة الذّوق لديك من قبل أن يكون لك لسان؟ أم هل طربت بعزف الناي قبل أن تسوى لك آذان؟ أم ربَما أحببت من قبل أن يكون لك إدراك و قلب و جنان؟
هذه دعوى، و الإنسان الّذي سبق له أن عشق إحدى المدن في هذا العالم الفسيح يعرف جيّدا معنى هذا الكلام، و يدرك بأن المكان له ارتباط بالقلب من قبل أن يصبح اسما جغرافيا و إحداثيَات و أبعادا. فإذا وقعت في غرام مدينة أدركت بأنَه في زمان ما و في كون ما، كنت أنت جزءا منها و ربَما كانت هي جزء منك، ذلك ليس بالأمر ذي بال، و لكنَ المفاد أنَكما كنتما معا من قبل أن تنفصل الأخلاط و الماهيات و الأمشاج.

قد تسافر طويلا و تغترب عن ذويك، و تنتهي بك الأقدار في بلدان مختلفة و أماكن شتَى. و قد تحبَ مدنا أخرى و يسحرك جمالها و يأخذ بلبَك بريقها و بهرجها حتَى تثني عليها في الرسَائل و تؤرَخ لها في الذَكريات. قد يتعلَق قلبك بمدينة مرَ بها الشَعراء فتعانقك بموج بحرها، و يعلق بثيابك عطر من روح وردها النفَاذ. و قد تسقط في براثن مدينة شيَدها الفسَاق، مجينة حمراء جامحة تغويك شوارعها حتَى يبلغ بك الأمر حدَ الخيانة، فتقضي اللَيل في أحضانها، و لكنَك لا تلبث تغادرها مسرعا بعد أن يفضح عهرها نور الصَباح. و قد تستهويك ضواحي مدينة مرَ بها الفنَانون فتهيم بها معربدا ثملا من ريق أنهارها و مياهها الَتي عتَقتها جسورها المعلَقة في سالف الأزمان. و إن كنت متطرف النزعة فقد تشفي غليلك المرضي مدينة بناها أصحاب المال و الأعمال، و تخدَر إحساسك أدخنتها المتصاعدة من العوادم. ثمَ إن وصل بك العلم و الفهم و سمت بك الرَوح إلى أعالي الأشواق، و حذا بك الرَكب إلى خير الدَيار، فدونك و الَتي باركها الله و جعلها بيته الحرام، و دون ذلك الرَجوع إلى الأصل و أوَل حبَ.
أعيتك الأسفار و نفذ الزَاد، و شاق القلب و تقلَب الحال، و لا مناص لك من الرَجوع. و من غيرها يقبل بك بعد أن نفذت منك الحيل، و علمت بأن ما قد مضى لم يكن سوى مراهقة عاطفية و هوى صبيان، و أنَ الأصل حضنها، و اللَيل سكونها، و الأزرق بحرها، و الأعلى جبالها، و الأرحب أزقَتها، و الأعذب ماؤها، و الأعطر زهرها، و لا مناص لك من أن تسلك طريقها فيلوح لك من الجانب الأيمن من البقعة المتلألأة سوار عقد ليس أغلى جواهر العالم و لكن أروعها، عندها يسألونك عن أجمل نساء العالم فتردَد كالمسحور … تطَاون بالشدَ و ليس تطوان.
تطَاون الحسناء، حورية رمى بها البحر على الشَاطئ الجنوبيَ بعد أن فرًت من ضرام حبَ محرَم بين الشَمال و الجنوب، و شهدت السبي و الغصب و الضرب و القتل بتناوب أحفاد القوط و الوندال. فتاة أندلسيَة ولدت بأشبيلية زمن الحرب حين غدر الأخ بأخيه، و وأد الرجَل زوجه و بنيه. و أرضعت الجميلة لبان قرطبة من ثدي اللَيمون و الرَمان، و لكن الغزاة تداعوا على المرضع و أحالوا فرثا و دما ذلك اللَبان. و فرَت تطَاون الفتيَة إلى آخر معاقل الأهل و العشيرة، و شبَت في غرناطة فتاة نابهة ذكيَة، و لكن الأهل لم يسلموها للحكيم و العالم و الطَبيب لتدرس الحكمة و الطبَ و القرآن، بل باعوها جارية في حريم من بكى بكاء النَسوة و الضَياع و الخسران. و نشأت الحسناء زهرة فوَاحة تحفظ الشَعر و تغنَي طرب القيان، حتَى إذا أتى الغزاة على آخر الحصون و استحلَوا الأعراض و الدَماء و الولدان، لم يبقى أمامها سوى الفرار ليلا متخفَية بجناح الظَلام.
لم تحمل تطَاون معها من الأندلس لا حليا و لا ربابا و لا قفطانا، و رمت بنفسها في لجَة اليمَ لعلَ في الموت راحة من طعن الخيانة و وقع السَنان، و لكنَ الله “تعالى” قدَر لها النَجاة إلى جانب الشَاطئ الجنوبيَ و هي تحمل على خدّها ندبة من زمن الوصل بالأندلس و تحكيها الأحفاد إلى الآن. و كلَما ناداها هؤلاء باسمها انتفضت غاضبة و قالت: “اسمي تطَاون بالشدَ و ليس تطوان”.