الأخلاق وفلسفتها..

180

من المسائل التي اهتم بها العديد من المفكرين والكتاب وبحثوا فيها من جميع جوانبها وهي الأخلاق ومبدؤها، أي منطلق هذه الأفعال الأخلاقية التي تصدر من الإنسان وما هي المبادئ التي تركز عليها لتصدر أفعال أخلاقية معقولة واقعية صحيحة، إلا أن العديد منهم سلك مسلك الاستحسان الشخصي وما كان له إلا أن يقع في دوامة فارغة خالية من الأخلاقيات الصحيحة، وسنحاول هنا التطرق لبعض من المبادئ الأخلاقية الثابتة :

إن أخلاق الإنسان هي مبادئ سلوكه العملي في هذه الحياة سواء مع نفسه أو تعامله مع الآخرين، وفلسفة الأخلاق قائمة على ثلاثة أصول عقلية وجدانية :

أن الإنسان كائن مختار، لا يفعل إلا ما يشاء.

أنه طالب دائما للكمال الموجب لسعادته.

أنه يمكنه أن يحصل كماله المنشود بأفعاله الإختيارية.

وهذا السلوك العملي تحكمه مبادئ تمثل منطلقاته الذاتية، التي تعين طبيعة هذا السلوك، ومساراته المختلفة في هذه الحياة.

والبحث حول مبادئ السلوك الأخلاقي الإنساني هو ما يهمنا ويعنينا في هذه المقالة القصيرة، لكي نستخلص منه بعد ذلك بإختصار أهم مبحث في فلسفة الأخلاق، وهو المعيار الصحيح للفعل الأخلاقي، حتى نتمكن من أن نحكم على كون هذا الفعل حسنا أو قبيحا، ومن الجدير بالذكر أن معرفة الجواب الصحيح له أكبر الأثر على تعيين مسير ومصير الإنسان في هذه الحياة الدنيا وما بعدها.

المبدأ الأول من مبادئ الفعل الأخلاقي الإختياري، هو مبدأ علمي، وهو معرفة الكمال، أي أن هذا الفعل فيه كمال للإنسان، فإذا أدرك الإنسان هذا الكمال إشتاق إلى حفظه وتحصيله، هذا الشوق يمثل المبدأ الثاني، فإذا اشتاق إليه، ولم يكن هناك مانع من تحصيله، انبعثت إرادته الجدية لتحريك العضلات نحو الفعل المحصل للكمال المطلوب أو دفع ما يمنع حصوله، فالإرادة تمثل المبدأ الثالث من مبادئ الفعل الإختياري.

ومن الواضح أن الفعل الحسن ليس هو ما يراه الإنسان مناسبا له على الإطلاق بنحو شخصي، وإلا لانتفى الحسن والقبح الواقعيان، وعمت الفوضى وانتفت الحاجة إلى القانون والأخلاق، بل هو ما يكون مناسبا له في الواقع كإنسان له روح وبدن، لا كحيوان فقط، وأن يكون نافعا أيضا أو لا أقل غير ضار بغيره من أفراد المجتمع البشري، لأنهم يتمتعون أيضا بالحقوق التي يتمتع هو بها كإنسان.

ومن الجدير بالذكر أن تشخيص الكمال المناسب للإنسان في الواقع إنما يتوقف على تشخيص الرؤية الواقعية عن حقيقة الإنسان، ومبدئه ومنتهاه، والفلسفة الوجودية للحياة في هذا العالم، ولا يمكن تشكيل هذه الرؤية الكونية الواقعية الصحيحة إلا من خلا التفكير العقلي المنطقي المبتني على المبادئ العقلية الفطرية البديهية، لا التفكير المبتني على الظنون والأوهام والأعراف والإستحسانات الشخصية.

إذن فمعيار الحسن الأخلاقي هو أن يكون عقلانيا، أي منطلقا من الأحكام العقلية المنطقية والرؤية الكونية الواقعية التي تراعي جميع الأبعاد الإنسانية المادية والمعنوية، لكي لا يظلم الإنسان نفسه وكذلك تراعي كمالات الآخرين ومشاعرهم، حتى لا يظلم الإنسان غيره.

وبهذا يصل الإنسان لأسمى الأفعال الأخلاقية، التي يعتبر منطلقها هو العقل الثابت في أحكامه، الراسخ في قواعده المنطقية الدليلة البرهانية، الخالية من أي استحسان شخصي أو عرف ووهم، لذلك نقول ما كانت الأفعال الشخصية أخلاقية إلا اذا طوت مراحل القوانين السليمة . وليس للإنسان إلا ما فعل من أفعال أخلاقية محبوبة عند البارئ تعالى مقبولة عند العقل الفعال فما بعثوا الأنبياء والرسل إلا لتهذيب الإنسان و آخرهم الرسول الأعظم عندما قال (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).