آخر ليلة بوطني..

334

بينما تلتهم ساعة الحائط الدقائق بِنَهَمٍ، أقف على شرفة المنزل أراقب حركة السير التي تأبى أن تخضع للسكون تماما كالأفكار الكثيرة التي تجول داخل رأسي، في ليلة يراد لها ان تكون الأخيرة على هذا الوطن؛ فلقد عقدت العزم على ركوب الأمواج والإبحار نحو غد أفضل، ورغم أن احتمال معانقة الأمواج واستقراري جثة هامدة فيه بدل المشي على تراب الضفة الأخرى كان واردا بشدة، إلا أنني كنت أمني النفس بأن الأمور ستسير على نحو جيد.

تجاوزت الساعة منتصف الليلة أحكمت إغلاق غرفتي وتجهزت للنوم كي أستيقظ باكرا على الساعة الخامسة فجرا لملاقاة مجموعة من الشباب الذين يرون في ضمان عيش كريم طريقا واحدا يؤدي إلى أوروبا. سنلتقي للذهاب الى طنجة أولا ثم ركوب زورق الموت سرا لقطع المسافة البحرية التي يخيل إليك أنها تزداد بعد كل كيلومتر. أطفأت أنوار الغرفة وأشعلت معها فتيل الأفكار داخلي، ليلتها أبى النوم أن يزورني فكان لي نصيب وافر من عذاب الضمير الذي كان متصالحا مع جل الأفكار السوداوية.

حاولت السيطرة على نفسي وإجبارها على النوم لكن فكرة الهجرة كانت تنخر رأسي كما ينخر نقار الخشب الخشب، و تحوم حول رأسي كما يحوم النسر عاليا في محاولة لاصطياد فريسته، ساعات من الجحيم تذكرت فيها يافا أول حب في حياتي الحب الذي أخلصت له إخلاصا لا مثيل له لكن حبيبتي رحلت وتركتني بسبب قلة حيلتي وهي تقول: فليشهد الحب أنني أحببتك ،أردتك للعمر كله لكن الحياة لم تردنا أن نجتمع ، رافقتك السلامة! حاولت حينها جذبها إلي و إقناعها بالبقاء ، ابتسمت ثم سألتني:أنت لا تملك عملا قارا ،أين سنعيش وماذا نأكل ؟كالغجر..لا منزل و لا وطن..نقتات ما تجود به الطبيعة..يكفي أننا نعشق بعضنا !لم يزدها إصراري سوى تعنتا فولت وظللت مكاني أراقبها و هي تنأى بعيدا كشمس المغرب ،حزينا مسبل العينين وقد خسرتك إلى الأبد .. ثم تذكرت أمي! المرأة التي منحت شبابها قربانا مقابل راحتي ،تذكرتها وتذكرت حواراتها الصباحية رفقة صديقاتها وهي تخبرهم أنني سأصبح مهندسا بارعا وأبتاع لها منزل أحلامها، لكنني لم أمنحها سوى قطعة ورقية علقتها على أحد جدران المنزل تقف أمامها طويلا بحسرة أو تفتقدها من حين لآخر لتفض عنها غبار الزمان لكي لا تفقد بريقها ، وتنظر إليها بيأس كأنها قطعة نقدية من القرون الوسطى لم تعد تسمن ولا تغني من جوع!! تذكرت أيضا أخي بسام فلذة كبدي، بعض مني واخر قطعة استودعها أبي في هذه الأرض قبل أن يرحل رحيلا أبديا، فكان بسام وصيته التي أكد عليها كثيرا وكان آخر الكلام الذي تمتمه، أستميحك عذرا يا أخي فطالما عملت جاهدا على أن أكون الأب والاخ و القدوة في حياتك لكن لا حول لي..لا حول ! أنا ضحية أخرى من ضحايا هذا الوطن الذي ددت عليه بضراوة بيد أنه لم يحتضني ،إن وطني وطن لا يحتضن أبنائه ويتسلى برؤيتهم يصارعون الموت على زوارق الهرب بسادية مرعبة وهذه المأساة العظمى ! وأصبح في الطريق إلى الموت حياة لقد أقبلت عليه عاشقا ولهانا ،كنت محموما به وكان كقطعة ثلج، لم تذبه حرارتي ولم تلهبه بل نقل إلي برودته، وعندما لملمت ما بقي مني من شتات وحين رحلت لم يتقفى أثري ولم يسألني فكيف أبقى في وطن لا يسأل عن حال أبناءه ؟!وكيف أبقى في وطن يباع فيه الحب مقابل المال والجاه؟!

أردت للمرة الأولى منذ ولادتي أن يضيئ نور الغد بسرعة وتضيئ معه حياتي، كنت ضائعا بين دهاليز العتمة، عالقا بين المطرقة والسندان، ثم خيل لي لوهلة أن معالم مستقبلي أصبح من الصعب فعلا رسمها.

توسدت خيباتي في محاولة أخرى للنوم كأنه قطيعة مع الألم والبؤس، وتمنيت أن تصبح مأساتي ورقة مطوية على رف قديم حتى تتآكل وينخرها الإصفرار.

رن منبهي معلنا بداية فيلم أجهل فيه كل شيء عدا أني بطله، وانطلقت أطارد الرياح نحو طنجة آخر رابطة لي مع هذا الوطن الذي سأشتاقه لا محالة…وما أن شعرت باهتزاز الباخرة وهي تتقدم في مياه المحيط رويدا رويدا حتى سالت دمعة من عيني وأنا أتذكر ماضي الذي بنيته بنفسي بين ربوع هذا الوطن الذي يهون علي تركه لكني مضطر، مضطر وليس باليد حيلة فما عساني أفعل!

وطني! ما السر وراء هذا التجاذب العظيم بيننا!ما بي أرفض الإفلات من عذابك كضحية تتلذذ سوط جلادها بمازوشية مقرفة… ووقفت حائرا أمام معادلة الحب هذه أجهل البداية، حينها تذكرت ما قاله محمود درويش واصفا حبه الكبير اتجاه وطنه: “أحببتك مرغما ليس لأنك الأجمل بل لأنك الأعمق، فعاشق الجمال في العادة أحمق”. وتيقنت حينها أنك لست الأفضل ولا الأجمل على الإطلاق إلا أن لي معك روابط وجذور حتى وإن رغبت ببترها فلن أستطيع، كما أدركت أنني رغم هالة الذنوب والمعاصي التي تحيط بي لا أزال مؤمنا، ذلك أنني لا أزال أذكر أولى الدروس التي لقنها لنا مدرس الصف الأول بإخلاص “حب الأوطان من الإيمان”. بيد أن تلك الأيام المجيدة رحلت ولن تعود رغم أن الذاكرة لا زالت تحفظها داخل أسطوانات بعناية ألجأ إليها كلما اسودت الحياة وأعلنت حربها علي فأبتسم وأحن وأحزن لأن الأيام العجاف أوشكت الوصول…