أحسن و إن لم تُجزَ بالثناء !

186

الإحسان فطرة بشرية أصيلة في الإنسان السليم المعافى من الأمراض النفسية التي تدفع إلى الإساءة وظلم الآخرين. تلك الفطرة التي تدعو إلى العطاء الخالص، دون انتظار منةٍ من أحد، أو ردٍّ لجميل ما فعله، وهذا ما يتبدى جليًّا في قول الشاعر:

أحسن وإن لم تُجز حتى بالثنا            أي الجزاء الغيث يبغي إن همى؟

فلئن انتظر الناس جزاء المعروف،  ففي ظلّ أي ظروف ستنمو الفضائل وتترعرع محاسن الخصال؟

إن انتظار جزاء الإحسان أمرٌ قد تألفه بعض النفوس، أما العطاء لأجل العطاء، فهو ما لا تجده إلا عند أصحاب النفوس التي استصغرت الماديات، وأقلعت تحلق في سماء المقل العليا والفضائل. فالإحسان هو ذاك العمل الذي يشمل الكون دون استثناء، فيكون أولًا تجاه الجسد، وذلك بالعناية به وبصحته، ونظافته، والابتعاد عما يضر به من مأكلٍ ومشرب.

ويتبع ذلك الإحسان إلى النفس، وذلك عبر صونها وكفها عن موارد الرذيلة والخِسة، والعمل على ترقيتها بالعلم والتسامي على سفاسف الأمور. وتتسع دائرة الإحسان لتطال الأسرة، فيكون المحسن إلى أهله وأولاده، مؤمّنًا حقوقهم، موجّهًا لهم، ساهرًا على رعايتهم، وكفى بإحسان الأم إلى أولادها مثالًا حيًّا يفوق في عمقه وإخلاصه كلّ أنواع الإحسان.

 

إن الإحسان لأجل الإحسان يولد لدى المحسن لذة العطاء، تلك اللذة التي لا تضاهيها لذة عند من يعشق الحياة بنكهة الإنسانية، مما يدفعه إلى مزيد من العطاء، واستثمار طاقاته في بناء المجتمع وتحسين ظروفه.

إن الإحسان روحٌ تدب في أوصال أي عمل فتحييه، فالتعليم بلا إحسان جافٌّ، مملٌّ وقاسٍ، حيث لا يمكن للمعلم أن ينفع المتعلم ما لم يكن محسنًا في عمله، إذ ليس التعليم عرضًا للمعلومات أو حشوًا لدماغ التلميذ بها، إنما هو إرشاد ونهج متكامل للحياة.

ومثل هذا ينطبق على الطب، فمرارة المرض وقسوته تستدعيان إلى جانب الدراية الوافية بخصائص المرض وظروف علاجه، إحسانًا يحول الطبيب إلى أمٍّ حانيةٍ، ويستحيل هذا الدواء في يده إلى إكسيرٍ للحياة، وينسحب هذا على كل المهن، فبالإحسان تتحول الحياة إلى متعة تتلاشى معها كل الصعاب، وتذلل العقبات والعراقيل. ومما لا شك فيه أن الإحسان المنزَّه عن الماديات يوفر لنا نعمة الأمان الاجتماعي التي ينتج عنها راحةٌ نفسيةٌ عميقة لأفراد المجتمع مما يؤدي إلى دفعهم إلى العمل على تطوير مجتمعاتهم وازدهارها.

وإن تأصيل فكرة الإحسان المجرد من المنافع، وأن ليس للمعروف ثمنٌ إذ لا يمكن تحديد قيمته أو مقارنته بالماديات، وإخضاعه لقانون المنافع المتبادلة، يشجع المحسنين على زيادة إحسانهم، والاستمرار في عملهم، كما ويشجع الآخرين على أن يحذوا حذوهم، ويولد فيهم رغبة عارمة في الإحسان، حتى يصبح الإحسان خلقًا أصيلًا يمارسونه على سجيتهم، لينير كل منهم الزاوية التي هو فيها، فيعم النور في الأرجاء ويندحر الظلام تحت سطوة الضوء.

إن الإحسان هو تلك اللمسة السحرية التي تحوّل علقم الحياة إلى قطرات سهد تُجنى من زهور الحب والرحمة والإيثار ونكران الذات، هو ذو أثر بالغ في إرساء قواعد هامة لتربية جيل صالح ومصلح في آن. الإحسان كغيث يروي أرضًا، فينبت زهرًا ينثر عبقًا! وما دمنا لا نستطيع تحقيق الغاية من وجودنا وأداء رسالتنا على سطح الأرض بمنأى عن الإحسان، فحتام ننتظر؟