مدرسة الصداقة

174

اليوم هو يوم امتنان، امتنان للأصدقاء الذين وضعهم القدر الجميل في طريقنا، و الذين تذوقنا معهم أسمى و أرقى و أنقى معاني الصداقة. يختلف كل شيء معهم؛ تكون دقات القلب لهم منفردة، و يكون العناد معهم لطيفاً، و يكون الشجار معهم مفيدا كحبة دواء تُعيد توازن سكر الدم، و يكون الخوف عليهم أمومي و الحرص على سلامتهم أبوي.

يتحول حُبهم في القلب إلى عُقدة محكمة غير قابلة للفكّ. تنتصر النحنُ على الأنَا معهم و نخسر الصراع الذي يكونون هم فيه طرفًا لأنّ نفسك تتخلى عنك و تصفّ إلى جانبهم، فيحدث أجملُ استسلام للحقيقة، و تفوز الصداقة أمام الأنَا و الظروف.

إنهم روح و قلب و نبض إضافة إلى ما نملك في أجسادنا. ضحكنا و لعبنا و سافرنا و بكينا و فرحنا و تألّمنا و تحمّسنا معاً. تعلّمنا الحُب والصبر و الدعم و العطف و التآخي و المثابرة من بعضنا البعض. حاربنا جهل المشاعر نحو نور العلم و التجربة. استشعرنا عمق الدعاء وشدة البُكاء في ظهر الغيب و ترقّبنا الاستجابة بفارغ الصبر. صرنا بيوتا لبعضنا البعض، صرنا الدفء و الملجأ.

حسرتي على من مات و لم يُجرب لهفة صديق مُحبٍّ بعد غياب طويل، أو فرحته الفخورة التي تقفز من عينيه بإنجاز حققته و كان شاهدا عليه، أو فضوله المُهتم بتفاصيل يومك المزدحم، أو غضبه العفوي من تصرفٍ بليد لم يراه لائقا بِك، أو عتابه اللطيف الذي يحمل في ثناياه كلّا المودّة.

حسرتي على من يعيش حياته و هو غافلٌ عن صديقٍ وفيّ العهد و الودّ و الوعد و المشاعر. و هل يجوز السفر من دون صديقة قصيرة تُلقي بنفسها أرضا فقط من أجل التقاط صورة جميلة لكِ مع برج مائل تحدّى طولها؟ أيعقل أنّ تفوت زفاف صديقك المقرب فقط لأنك مشغول بحياتك في بلاد بعيدة؟ لا… لا يجوز و لا يُعقل!

حسرتي على مغرورٍ متكبّرٍ جاهلٍ بملمس يد ممتدّة إلى يده دون شروط و بلا مُقابل. و كيف يكون الحزن من دون كتف صديق يغمرك حنانا بصمته لانعدام الجدوى في الكلام؟ أو صديق يشاركك الدمع و الجلوس في الظلام؟ حسرتي على من لم يكن له صديقٌ لا يملّ من حديثه التافه و المتكرر. فلدى كل إنسان حسّ تافه و حسّ متردد، من سيشبع هذه الأحاسيس إن لم يكن صديقك التافه إلى جانبك؟ حسراتٌ كثيرة على من لم يُنمّي روحه من خلال نمو روح أخرى.

قال الطبيب النفسي سكوت بيك في كتابه المشهور” الطريق الأقل سفرا ” : بأنّ الحُبَ هو الرغبة في تمديد الذات في سبيل تغدية التطور الروحي لها أو لشخص آخر. نحن مجبرون على العيش مع الناس كي نمشي في الطريق إلى هدف معين و كي نطوّر من أنفسنا. فالأسد مثلا يمشي دائما وحيدا و لكنه لا يتكلّم كي يخبرنا عن تجربته و هو يسلك الطريق بمفرده، لا نعرف عنه سوى ما يُخبرنا به الصيّاد.

لا نستطيع أن نُحبّ أنفسنا و نحن منعزلون عن الآخرين. فالأصدقاء هُم العائلة الثانية التي تجعلنا نكتشف حُلونا و مُرّنا، الرفقة الطيبة هي من تستطيع الكشف عن طيبنا أكثر من قُبحنا، و هي من تساعدنا على طرد القبيح والتمسّك بالطيّب. لذلك أنت المسؤول على إحاطة نفسك بأصدقاء صالحين، و أنت المسؤول على الحفاظ على علاقتك بهم، و إن لم تفلح فلا تلُم الصداقة، مثلما يرمي التلميذ الكسول بلاء كسله على المدرسة و الزملاء.

إنّ الصداقة مدرسة ضخمة نتعلّم فيها كيف نعيش الحياة بطريقة أذكى بارتباطنا بأشخاص من اختيارنا، يشبهوننا و يفهموننا في حال الاختلاف، يساهمون بشكل كبير في معرفتنا لخبايا دواخلنا، ينصتون لنا بقلب حنون و يعطوننا النصيحة بعقلٍ ثابت مكمّل القِوى.

تُدرّسنا الصداقة معان عميقة يتطلّب فهمها مُتلقياً جيدا يرغب في التطوير من نفسه و من علاقاته بالناس، وقلبًا سليماً مسالماً يصفح و يعفو.
و إن قست على صديقك الحياة إلى مدى يجعله يفلت طرف الحبل من قبضته فسارع و تمسّك بطرفك و طرفه و تمسّك به و تذكّر قول الله “و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا “، و كن صبورًا في انتظارك إلى أن يعود لنفسه و إليك و إلى طرف الحبل من جديد.

الأصدقاء هم التأثير و التغيير و الأفكار و القرارات و الإنجازات، هم اللحظات و التفاصيل و المُناسبات. فلتكن دائرتُك دافئة بالحب والاحتواء، و لتكن داعمة تحثك على المُثابرة، و لتكن خيّرة تدفع بك إلى الطريق المستقيم، و لتكن إيجابية تمحو اليأس بالأمل، و لتكن حالمة ومُنطلقة تؤمن بالسفر و الصور و الطبيعة، و لتكن متوازنة تعطي الحق للجد و التفاهة…

وأما أنت فكن صديقًا متفردا معطاء مُتمسّكا مُحباً وسعيدا.