فلسفة الحياة

421

تتشكلُ خيوط الحياة من تقلّبات كثيرة لا أحد منا يعرف بدايتها ونهايتها؛ هذه التقلّبات تشبه لوحة فنية عميقة في معانيها، يُدركها من يتأملها بإمعان عند كل فرصة سانحة، فتجعله يعود إلى أعماق نفسه، ويتحسّس إنسانيته المفقودة، وينفض غبار الحسابات عنها، ويُعيد توجيه بوصلتها لينطلق من جديد، آنذاك سيفهم قانون الحياة، ويغدو التأمل منهاجا يوميا يمكن أن يظهر ما خفي عنّا، بهذه الحركية المستمرة تدخلك الحياة في بداية الأمر وباستمرار إلى عوالم مجهولة تكتشفها لأوّل مرة، فتصيبك بالدهشة، محدثة قلقا وجوديا، واهتزازا نفسيّا.

إن الحياة ليست مرسومة كما نريد ونحب، لكنها جميلة في تقّلباتها، لا تستقر على حالة واحدة، تمدُك على عجل بما لا تنتظره، وتجبرُك على انتظار الأشياء التي تريدها. تدخلُك إلى عالم اللهث وراء الأحلام، والضغط اليومي إلى أن تحققها، تفهمُك معنى أن تسير بثبات، وتطالبُك أن تكون مستميتا في الدفاع عن آرائك واختياراتك، ومؤمنا إيمانا داخليا بطريقك، رغم شدة النقد الذي يمكن أن يواجهك، لكن بشرط الوضوح والمعقولية لتحقيق الانسجام مع الواقع، حتى لا يُخيّل إليهم أنك بعيد عن نيل المطالب، وحتى لا تبقى وحدك مغرّدا في السرب، وتعيش في عوالم لا تمت لواقعنا بصلة..

تطالبُك الحياة أيضا بالابتعاد عن فكرة المستحيل، وعدم الجلوس إلى سدنة اليأس، وتثبيط الهمم، وتجاهل المنغصات، وعدم الاستسلام لأن الحياة تحمل تغييرات مفاجئة، وتقلبات سريعة تكاد لا تستوعبها، وتجرُك إلى مشاكل، وخيبات أمل غير منتظرة، لكن ثقافة الاستسلام ليس خيارا نتبنّاه، بل في مثل هذه الظروف، ينبغي أن نتخذ من التحدي، وإعادة تصنيف الأمور طريقا للوصول، وأن يتسم فكرنا بالمرونة، بما يتيح التكيّف مع ظروف أي مرحلة، ثم البحث عما يكون بلسما لفؤادنا، وباعثا على الاطمئنان، لأنه عادة الفائز لا يستسلم مطلقا..

إن هذه التقلبات هي التي تصنعنا، وتؤهلنا لأن نكون أقوياء، تفرض علينا أن نكون أكثر نضجا لإحقاق السلم، وإقامة تصالح مع الذات، لنصبح مستعدين لكل المفاجآت، وبها يمكن لأي واحد منا أن يختبر قدراته الحقيقية التي يتوفّر عليها، إذ لا أحد سلم من هذه التقلبات، وما يمكن أن تخلفه في نفوسنا من فرح، وهدوء، وحزن، وذهول، وغضب، وندم، وتغيير…وحتى لا يجد كل واحد منا نفسه مشتتاً وضائعاً، فهي تدعونا إلى البساطة الحقّة لإدراك أن ذاواتنا، وطاقتنا لا تساوي شيئا على هذه الأرض الرحبة، فكلما كنا على سجيتنا غير مستعرضين، ولا متكلّفين، ولا راجين رياء، سنحس بسلام مع أنفسنا ومع من حولنا، هذا السلام من الأبواب التي تمنحُنا قدرة كبيرة على العفو، والحلم، وتجاوز كل المعيقات..

ويكفي أن تقرأ أو تسمع عن تجارب الآخرين لتفهم تقلبات الحياة، صحيح أن تجارب الآخرين ليست قواعد ثابتة قابلة للاستنساخ، فكل واحد منا له نظرته، لكن من المفيد جدا عدم إهمال أي تجربة خاصة ذات الأثر الإيجابي على حياة الإنسان، إذ يمكنُ أن يستفيد منها الآخر، وهنا نسأل من شئنا من أهل الإبداع، أو ممن يأسرنا تدفقه بالعلوم، أو ممّن تركوا إرثا، سنجدُ أنهم عانوا في حياتهم من ويلات الحرب أو من مشاكل اجتماعية أو ظروف قاسية أبعدتهم عن إتمام دراستهم، أو مرض أسقطهم، لكنهم ضلوا متشبثين بالحياة، صنعوا أنفسهم بأنفسهم بعدما مروا من أزمات فرضت عليهم، وحققوا نجاحات من بؤر المعاناة، وفتحوا بوابات التميز بمفاتحيهم الخاصة، وأكدوا أن خطواتهم لم تكن لتستقيم وتثبت إلا بعد تعثر، ولم يثبط عزيمتهم أي ظرف في الوصول إلى المجد، فقد تمكنوا بعد سنوات من الجهد والقسوة والمثابرة، أن يجعلوا قصص نجاحهم بصمة واضحة في تاريخ الإنسانية..

إن الاستعادة هي الفكرة التي نحتاجها، لأنها ستتيح الإجابة عن سؤال مهم، ماذا نريد من هذه الحياة؟ ونقصد بالاستعادة، أن نستعيد الحياة بأنفسنا، بدءا من تغيير نظرتنا لكل ما يحيط بنا، ويتطلبُ ذلك مخزونا روحيا متزنا، وفكرا متنورا، فكلّما زاد وعي الإنسان، زادت قدرته على الإبداع، والتفكير النقدي، واتضحت رؤاه، وتخطّى بذلك الفراغ الذي يُولد كتلة هامدة تسير بلا هدف ولا مسؤولية.

تتأسس أيضا الاستعادة كذلك على التنظيم، والتخطيط، كما لا يُمكن أن تتحقق إلا بالتفكير الذي ينهج قواعد واضحة للوصول إلى نتائج واضحة، ومع ذلك فإن كثيرا من الناس يفشلون في تحقيق أهدافهم سواء القريبة أو البعيدة، لأنهم لا يسلكون إليها منهج الوصول، فيقعون في التيه، وفخ الخوف..

هذه الدعوة إلى الاستعادة هي ضرورة ملحة لتغيير عاداتنا السلوكية، وتعويضها بالأهم، لأنه لم يعد باستطاعتنا تتبع كل الأحداث الجارية، والتعليق عليها، وتصفح جل الإعلانات، وانتظار خرجات المثقفين، والبحث في الكتابات عن نظرية الصواب من الخطأ لننتصرَ لموقف ما، ونركن للوراء، ونلبي طائعين غريزة الاطمئنان، الإنسان لم يُخلق ليواكب ويُدقق في أتفه الأشياء، صحيح أننا نعيشُ التعدد، والكل أصبح يمارس حقه بإبداء نظرته، لكن الرؤية تتفلتُ، فتصبح حقيقة الفكرة مجزأة من كثرة التداول، وأكثر ضبابية، تغيب عنك ولا تكتمل.

وبالعودة إلى الماضي، كان القدامى يستمعون لعلمائهم ولا تجدهم يكثرون التعليق والتعقيب، ورغم ذلك ناقشوا وخالفوا عن مبادئ واضحة، قرؤوا أكثر وتفننوا في فهم ما حولهم، كتبوا بعمق وتركوا لنا التحليل المشتت، قطعوا أميالا للوصول إلى كتاب، أو كاتب، أو دليل مُوجه، ولم يكتفوا بأخذ الجاهز، دققوا وتحروا وأنهوا فكرهم ب: (والله أعلم)، تاركين للقادم هامشا لإنتاج جديد ما.

نحن أيضا باستطاعتنا، أن نبحث عن الحياة بشتى الطرق، بدون حمل هم مُوجع، بإمكاننا أن نبحث عن فجوات تدخل منها رياح التغيير، وبإمكاننا استنشاق عبير الحب بثبات، ونتفنن في العشق، بإمكاننا القيام بجولة قرب نسائم البحر، وسفر طويل، رفقة أناس لا نعرفهم، وبمقدورنا أن نرتاح وننتشي بأرق السؤال بعد كل قراءة، ونلبي ذكرى الروح، ونستمتع بمتعة الفن، كثيرة هي الأشياء إذن التي باستطاعتنا القيام بها ولا تبعث على الصمت، والضجر، لكن تتطلب منك وعيا لتعيش الحياة.

أخيرا، التغني بالماضي لا يضر، ولا يوقف المسير، لكن فيه من الأخذ ما يفيد، والنظرة الحالمة ليست شعارا نحمله، بل تحتاج التنزيل لنتذوقها في الحياة التي نعيشُها، فإذا كان الفرد مختاراً لما يعمله غير مضطر، ولا مجبر لنهج سلوك معين، ويسير في طريق الصواب، سيجد نفسَهُ مثل بحّار واثق من نفسه على سفينة آمنة لا يُخيفه البحر الهائج، ولا العواصف، فتبدو الحياة حولَه مخيفة، لكنه يعيش بجنة آمنة، هذه الفلسفة لخصها إيليا أبو ماضي في بيته الأخير والشهير من قصيدته فلسفة الحياة “كن جميلا تر الوجود جميل”