التلوث الضوضائي!

115

الضوضاء هي أخطر أنواع التلوث البيئي على صحة الإنسان، وأكثرها انتشارا، ولكنها كثيرا ما تهمل ويستهان بأضرارها، لأنها لا لون لها ولا طعم ولا رائحة.

تُعرَّفُ الضوضاء بأنها أصوات غير متجانسة، تتجاوز شدتها المعدل الطبيعي لتصبح مؤذية للأذن ولصحة الإنسان؛ وخطورة التلوث الضوضائي أنه يؤثر فينا شئنا أم أبينا، بعلمنا أو بغير علمنا، فالأذن تلتقط دائما حتى أثناء نومنا، وليس كالعين التي نستطيع أن نغلقها عندما لا نريد أن نرى شيئا.

لقد أصبح التلوث الضوضائي يحيط بنا من كل مكان، سواء في الشارع أو في الأماكن العامة، مثل المطاعم والمقاهي والأسواق، ووسائل النقل من سيارات وقطارات وطائرات، وآلات البناء والحفر والمعدات الثقيلة، وأيضا داخل البيت، مثل الأجهزة الكهربائية، كالخلاط والغسالة والمكنسة الكهربائية وأجهزة التكييف… فالتلوث الضوضائي يعد أخطر أنواع التلوث البيئي بسبب انتشاره الواسع، ومخاطره التي يجهلها كثيرون.

يقاس مستوى شدة الصوت بوحدة تسمى “الديسبل”، ولا بد أن يكون مستوى الضوضاء أقل من 25 ديسبل لكي يستطيع الإنسان النوم والراحة؛ والهمس تتراوح شدته ما بين 20 إلى 30 ديسبل، والمحاورة العادية نحو 60 ديسبل، وصوت حركة السيارات نحو 70 ديسبل، وهو ما يعادل ضوضاء المكنسة الكهربائية في المنزل، أما مجفف الشعر فيصل إلى 90 ديسبل، والقطارات ومحطات المترو والدراجات النارية تحدث حوالي 100 ديسبل، والطائرات النفاثة تحدث أكثر من 120 ديسبل؛ والإنسان لا يستطيع التركيز والتفكير إذا زادت النسبة عن 65، أما إذا تعدت 85 فتعتبر سيئة لصحة الإنسان بل وخطيرة؛ أما مستوى شدة الصوت الذي مقداره 140 فهو مؤشر عتبة الألم في الأذن، ومثال عليه الألعاب النارية.

والآثار السلبية للتلوث الضوضائي على صحة الجسم كثيرة جدا، فلنبدأ بتأثيرها على القلب والأوعية الدموية، فإن الجسم يستقبل الضوضاء على أنها مهدد لسلامته، فتتدفق في الجسم بسرعة فائقة هرمونات مختلفة، مثل الأدرينالين والكورتيزون، مما يؤدي إلى تقلص الأوعية الدموية؛ وهذه الهرمونات إذا استمر الجسم في إفرازها فإنها تؤدي إلى الإحساس بالقلق والاضطرابات العصبية، وعدم القدرة على التركيز، واضطرابات النوم، والانفعالات الزائدة وغير المبررة، والاكتئاب على المدى البعيد، حيت وجد على سبيل المثال أن 20% من المرضى النفسيين في فرنسا هم ضحايا التلوث الضوضائي.

أما الجهاز الهضمي فتزداد أمراضه وتتنوع كقرحة المعدة، وقرحة الاثني عشر، ومرض القولون العصبي، وانقباضات جدار المعدة؛ ونظرا إلى زيادة إفراز هرمون “الكورتيزون” فإن الجهاز المناعي يضعف كذلك، ويصبح الإنسان أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المُعدية، والالتهابات، والأمراض السرطانية.

مقالات مرتبطة

وقد تصل الآثار السلبية إلى بطن الأم الحامل لتؤثر على الجنين، فقد أشار الدكتور “نوول جون”، أستاذ علم النفس بجامعة لوس أنجلس، إلى أن صوت الطائرات يمكن أن يتلف دماغ الجنين ونخاعه الشوكي؛ أما على المستوى العملي ‏للإنتاجية، ‏فإن آثار التلوث الضوضائي من صداع، وعدم القدرة على التركيز، وضعف الذاكرة، والتقلبات المزاجية، والقلق والتوتر، كلها انعكست على إنتاجية الشركات؛ وقد قامت إحدى الشركات بإضافة مادة عازلة على الجدران لامتصاص الصوت مما أدى إلى انخفاض عدد الأخطاء الحسابية بنحو 25%، وكذلك أخطاء الطباعة على الآلة الكاتبة بنسبة 27٪؜.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن الضجيج في المنزل أو المدرسة يؤثر على قدرة الأطفال على التعلم؛ ففي إحدى الدراسات التي نشرت في أمريكا، وتتعلق بطلاب المدارس الواقعة بالقرب من مطار لوس أنجلس، وجدت أنهم يعانون بنسبة أعلى من ضغط الدم، وسرعتهم أقل في حل المسائل الرياضية.

وفي دراسة قام بها عالم النفس البيئي “جيري إيفنس”، بجامعة “كورنيل”، قام بتجميع معلومات عن 115 طالبا في الصف الرابع الابتدائي، نصفهم يعيش في مناطق هادئة كوضع المكتب الهادئ، والنصف الآخر يعيش في منطقة أعلى ضوضاء بقليل، كضوضاء غسالات الصحون؛ فوجدوا أن كمية الكورتيزون أعلى في المجموعة الثانية، وكذلك ضغط الدم، وسرعة دقات القلب، وجميع علامات ارتفاع الضغط الفيزيولوجي على الجسم.

ما هي الحلول لهذا المشكل إذن؟

على مستوى الدول، فتخطيط المدن على أسس ومساحات واسعة، وإنشاء حدائق تتخللها لتكسر حدة الضوضاء، وإبعاد المدارس والمستشفيات عن مصادر الضوضاء، كالمطارات، والسكك الحديدية، والشوارع الرئيسية المزدحمة، ووضع قوانين تحد من استخدام آلات التنبيه للسيارات داخل المدينة، وخاصة أثناء ساعات النوم بالليل.

وأما على مستوى الفرد والأسرة، فاختيار موقع المنزل، واستخدام مواد عازلة للصوت، وزجاج سميك لتقليل الأصوات داخل المنزل؛ وكذلك إبعاد أماكن دراسة الأطفال عن الأصوات المزعجة، الصادرة من المطبخ، أو صالة الجلوس، وتثقيف العائلة بأكملها بخطورة التلوث الضوضائي، ويتكاتف الجميع ويتعاونون لتحجيم وخفض الضجيج أيا كان مصدره.

لقد قام الباحث الطبيب “ألفريد توماس” ببحوث ودراسات على مدى 50 عاما على حواس الإنسان، ليستنتج في النهاية أن حاسة السمع هي أهم حاسة من حواس الإنسان، لأنها تتحكم في الجسم كله، وتنظم عملياته الحيوية؛ فأعصاب السمع لها صلة بعضلات الجسم، والأذن الداخلية متصلة بجميع أعضاء الجسم، من القلب، إلى الرئتين، إلى الكبد، إلى الجهاز الهضمي؛ وهذا سبب تأثير دبدبات الصوت على الجسم كله.

فمن أراد أن يصح له جسده، بل وعقله وروحه، فليحمِ نفسه بحماية أذنيه من التلوث الضوضائي قدر الإمكان.

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ: إيمان طاييس.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.