معاركنا التي لا تُشبهنا!

1٬296
بين فينةٍ وأخرى، نتفاجأ بنقاشات حول بعض القضايا التي تطفو على السطح بشكل غير متوقع، لتُشكّل قضايا الرأي العام، يخوض فيها العامة والخاصة. وهذه الانعراجات المفاجئة في الرأي العام تثير شكوكاً أحيانا، تدفع المتتبّع الفاحص إلى التساؤل: مَن يقفُ وراء هذه المعارك في الرأي؟ ومَن يُوجّهها؟ وما الأهداف التي يراد تحصيلها؟ هذه المعارك التي يستطيع المرء أن يجزم في كثير من الحالات أنها معارك خاسرة، وسيتبين في نهاية هذا المقال لماذا هي معارك خاسرة؟ وما من شكٍّ في أن قضية الحرية الفردية تأتي على قمة هرم هذه القضايا.

ففي الأيام الأخيرة، برز بشكل لافت للانتباه، نقاش حادٌّ حول قضية الحريات الفردية، وخاصة بعد قضية الصحافية المعروفة في الرأي العام، والحكم بالإدانة، ثم صدور العفو الملكي لاحقا عنها وعن مَن تُوبع وأُدينَ معها في القضية نفسها. وهو نقاش مُضلّل، في تقديري، يُوهمنا أننا ربحنا معاركنا الأساسية: معركة محاربة الجهل والأمية، معركة التنمية وتحصيل مستوى من العيش الكريم للمواطنين، ومعركة الحريات الأساسية ومعركة نزاهة الجهاز القضائي، بحيث لم تبقَ لنا إلا معركة الحريات الفردية، والتي يجب أن نتوجه إليها بكل ما أوتينا من قوة، تنظيراً واحتجاجا وممارسةً.
ولنُسلّم ابتداءً أن آخر ما ينتظره المجتمع من المثقفين في حالات الخلافات المجتمعية الحادة، هو الاصطفافات الأيديولوجية. ولكن ما الظّنُّ حين يكون الخلاف حول قضية هي في ذاتها قضية أيديولوجية، أعني أنها نتيجة صراعات أيديولوجية، بحيث إن أيَّ موقف منها لا بد وأن يتأسس على خلفية أيديولوجية أو فكرية أو عقدية معينة، كما هو الشأن في قضية الحريات الفردية. وينبغي أن أؤكد أن كلامي في هذا السياق هو عن الحريات الفردية، وليس عن الحرية بشكل عام؛ لأن الحرية مطلب يجب أن يظلَّ قائماً، والنقاش حول الحرية يجب أن يظلَّ نقاشا يوميا في مجتمعنا، لأنها ضرورة مجتمعية يومية، أو كما ينص عبد الله العروي: “فالمهم في قضية الحرية أن تظل موضوع نقاش دائم، بوصفها نابعة من ضرورة يومية، لا بوصفها نقاشا أكاديميا”. فلا بد من هذا التمييز إذن بين مطلب الحرية وبين مطلب الحريات الفردية.
بالرجوع إلى المواقف من الحريات الفردية نجد أننا أمام صنفين من الناس:
صنف يمارسون حرياتهم الفردية في السر، وهم ضدها حين تُعلَن؛ وصنف ثانٍ مع الحريات الفردية، وهم لا يُلقون بالاً لرأي الجماعة التي هي تقف ضدها. فالخلاف إذن ليس في الحريات الفردية في حد ذاتها، وإنما في المجاهرة بها في العلن. وهذا التحديد لموضوع النقاش مهمٌّ، لأن الكثيرين ممن يخوضون في هذه القضية يُفهمُوننا أن النقاش حول الحريات الفردية نفسِها، وليس في المجاهرة بها فقط. وهذا يجعلهم أمام خيارين: إما أنهم لا يدرُون محل النقاش أصلا، أو يُغالِطون غيرَهم بإيهامه أن محلّ الخلاف حول الحريات بشكل عام. وفي الحالتين سيكون النقاش معهم غير مثمر لأية نتيجة.
ولكن السؤال الأهم هو هل النقاش حول الحريات الفردية هو نتيجة حاجة مجتمعية مغربية حقيقية؟ ذلك أن الحريات الفردية ظاهرة ملحوظة في المجتمعات التي وصلت حدا من التحرر بحيث لم تعد ممارسة الحريات الفردية ملحوظةً، أو تثير الغرابة بين الناس، كما أنها وصلت حدا من التسامح الديني والوفاق الأيديولوجي، والأهم من هذا كله أنها حصّلت الحقوق الأساسية لكل الناس كيفما كانوا، والشعبُ فيها هو صاحب السلطة والقرار، أعني في الدول الديمقراطية حقيقة. فهل يَصحُّ إسقاط هذه الحالة إذن، على دولٍ لا تتوفر فيها أبسط الحقوق الأساسية للناس؟ دول تقليدية محافظة وعريقة في الاستبداد والتسلّط؟! إن مثل هذا الإسقاط يَجعلنا نخوض معاركَ ليست معاركنا، ونُضيّع الجهد والطاقة في الإجابة عن أسئلة لسنا نحنُ مَن طرحها؛ أسئلة يَطرحها غيرنا، ونحن نلهثُ وراء الإجابة عنها. ومن تحصيل الحاصل أننا لن نتوصل فيها إلى إجابةٍ مُجدية، لأنها في الأصل ليست أسئلتَنا.إن هذا النقاش أشبه بمحاضرة قيمة حول السمنة وأعراضها وطرق علاجها، لكنها أُلقيتْ أمام سكان قبيلة في الصومال، يواجهون خطر الموت بالمجاعة!
يذكر علي عزت بيجوفيتش، المفكر والفيلسوف، في كتابه هروبي إلى الحرية أن :
“الديكتاتورية غير أخلاقية، حتى عندما تمنع الحرام؛ والديمقراطية أخلاقية حتى عندما تسمح به”.
إنه يُنبهنا إلى أن الأصل هو الحريات الأساسية والتي من بينها الحريات السياسية، ولا يمكن أن تقوم للفرع قائمة إذا كان الأصل غير موجود، وكيف يقوم بناء من غير أساس؟! حين تكون الحريات الأساسية متوفرة ومُحترمةً بالشكل اللازم لن يَكون النقاش حول الحريات الفردية بكل هذه الحساسية التي نلاحظها اليوم في مجتمعنا؛ ولا أحد سيهتم إذا كنتَ تمارس هذا الفعل أو ذاك، ولا أحد سيهتم بمن تزوجت، ومع مَن تَخرج أو تعيش؟ إذا كان الناس قادرين على نشر الأفكار التي يؤمنون بها، ومعارضة القرارات الحكومية التي لا يجدونها تخدم مصالحهم، ويشعرون أن السلطة سلطتهم والقرار قرارهم، لن يكونوا مهتمين حينها بتفصيلةٍ صغيرةٍ كقضية الحريات الفردية. لكن الأمر سيختلف إذا أردتَ أن تجعل الحريات الفردية قضيتهم الأساس، وهم يعانون غياب الحريات الأساسية في مجتمع تقليدي محافظ.
إذا عُدنا إلى النقاش المجتمعي الحالي في المغرب، نلاحظ أننا أمام موقفين: موقف “الحداثيين” وموقف “المتدينين”، أو بين التيار “التقدمي”، والتيار “المحافظ”. ومشكلة الحداثيين يرجع في جوهره إلى التوجس من كل ما له علاقة بالدين، ولذلك تجدهم متشنجين وهم يناقشون قضايا من قبيل الأذان والحجاب والتعدد وإطلاق اللحى وغيرها من أمور لا نجد مبررا معقولا للوقوف منها موقفا سلبيا، طالما أنها تعد جزءا مترسخا في ثقافة المجتمع المغربي، طبعا بغض النظر عن موقف المرء الشخصي منها اليوم؛ لكن هؤلاء لما أخذوا من النموذج الحداثي الغربي -الذي كانت له ظروفه التاريخية الخاصة، والتي اقتضت أن يتعامل بصرامة مع كل ما هو ديني- توهموا أن ذلك يجب أن ينطبق على المجتمع الإسلامي كذلك، والذي كانت له ظروفه الخاصة والمختلفة تماما عن السياق الغربي. وكأن هؤلاء فهموا أن التاريخَ يَسيرُ بشكلٍ خطّيٍّ أحادي، بحيث لو أردنا أن نصير إلى ما صار إليه الغرب -مما نعتبره تقدماً حضاريا مأمولا لنا- فيَجب أن نمر من نفس الطريق الذي مر منه الغرب، ونسير على نفس المنوال، ونتخذ نفس القرارات ونفس المواقف. وهذا فهمٌ رديء لصيرورة التاريخ والحضارات البشرية.
وأما مشكلة المحافظين في المغرب، -وأحب هنا استعمال لفظ المحافظين، لأن الأمر هنا يتعلق بالمحافظة أكثر مما يتعلق بالتدين، فالرجل قد تجده غير ممارس للشعائر الدينية، ولكنه ضد الحريات الفردية- فمشكلتهم أن لهم حساسية مفرطة تجاه بعض القضايا، كقضايا الجنس والمثلية والسكر، وفكرة أن الشخص حر في شخصه وحياته، له أن يفعل فيها ما يشاء، وذلك أنهم اقتبسوا من فكر ديني مشرقي معروف بتشدده، وهذا الفكر فرّخ، للأسف، أفكاراً غريبةً عن المجتمع المغربي. إن هؤلاء لا يختلفون كثيرا عن الحداثيين الذين أرادوا إسقاط النموذج الغربي كما هو على الحالة المغربية، لكن من وجهة مقابلة هذه المرة.
والسؤال هنا: هل كانت هذه الاصطفافات الحادة لتتشكل في المجتمع المغربي لولا هذا الاغتراب الذي يعانيه الإنسان المغربي؟ فهو إما أن ينسخ النموذج الغربي ويُسقطه بحرفيةٍ على حالته، أو يستورد التدين المشرقي التي نشأ في بيئة لها خصوصيتها الثقافية المحلية! وأنا أتحدث هنا عن التدين وليس عن الدين، ذلك أن جوهر الدين واحد، وأصوله ومصادره واحدة، ولكن فهمه والتحقق به يختلف بحسب كل شخص وبحسب كل مجتمع. ومعنى هذا أن العمل يجب أن ينصَبّ على استرجاع الثقة بالنفس، وتعزيز الشعور بالانتماء والاستقلالية، فإذا كان علال الفاسي كتب “النقد الذاتي” في مرحلة من المراحل التاريخية، فإن الذي نحتاجه اليوم هو التقدير الذاتي، أي الاعتزاز بالخصوصيات المغربية والعمل وفقا لمقتضاها.
فالنقاش إذن من هذه الحيثية يجب أن يكون أيضا حول نموذج التدين الذي نريد، والذي يناسب خصوصياتنا الثقافية والمجتمعية؛ وأن نحدد الدين الذي نقصد: أهو الدين الذي جاء به محمد، والذي شكل ثورة على التقليد، وجاء لتحرير الإنسان من كل أصناف العبودية، أم هو الدين الذي نقرأ عنه في “تيل-كيل”، أو الذي يُروَّج له في الأقراص التي تباع أمام المساجد، والتي يؤسس لتدين شكلي مظهري “قشوري”، يختزل الدين في طقوس معينة، ويُسهِم في ترسيخ فهوم سقيمة عن الدين، ويُسيء إليه من حيث يَحسبُ أنه يقدم له خدمة جليلة.
لكن أيضا يجب أن نستحضر دوما أن الدين مكون رئيس من مكونات المجتمع المغربي، وهذا يستلزم أن أيَّ نقاش يُقصي الدين من حسبانه يحكم على نفسه بالفشل، سواء أدَرى ذلك أم لم يدرِ. وغارِقٌ في الوهم مَن يظنُّ أنه سيفرض على المجتمع ما لا يُريده. صحيح أن تديّن الكثير منا يرجع إلى وراثة أبوية، وأن هناك أعطابا كثيرة في الفهم لأمور الدين، ولكن هذا جزء من مشاكل عامة يعاني منها المجتمع ككل، فمعظم الناس لا يفهمون في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في الطب بشكل جيد، والأمر كذلك في الدين. فالمجتمع يعاني من ضعفٍ في الوعي بشكل عام، وهذا الضعف يتجلى في أمور كثيرة منها المجال الديني، أو هكذا أفهم الأمور على الأقل.
هناك نقص حادّ في كل المجالات، والنهضة أمر كلي لا يتجزأ، ولا يمكن أن نطلب من الناس أن يكونوا علماء في الدين، مدركين لمقاصده، وهم لم يحصِّلوا الحد الأدنى من التعليم الأساسي، ولم يحصلوا الحد الأدنى من العيش الكريم، ولم يحصلوا الحد الأدنى من الحريات الأساسية. صحيح أن جوهر الإسلام في أصله تحرر من أوثان العبودية والجاهلية، وصحيح أيضا أن “الإنسان لا يستطيع أن يكون مسلما ويبقى متخلفا” كما يقول بيجوفيتش، لأن المفروض في المسلم أن يكون نموذجا، ولكن هذا النموذج له شروط معرفية واجتماعية واقتصادية معينة، لا يأتي من مجرد حمل شعار الإسلام. والتحرر يعني من بين ما يعنيه أن يكون الإنسان حرا في أن يحدد مجالات استعمال حريته، وأين يضع قيوداً لتلك الحرية، وأن يختار نموذج الحرية التي يُدافع عنها ويدعو إليها.
لِنعُد إلى موضوع الحريات الفردية في المغرب، هل معنى ما قلناه أنه ما من فائدة تُرجى من هذا النقاش بشكل كلي؟
في الواقع، من الممكن أن نتوقع انفراجا في بعض القضايا المتعلقة بهذا الموضوع، منها الوصول إلى حل ما لمسألة الإجهاض، ولكن ذلك كله ليس إلا ترقيعات، ولا يُسهم في بناء وعي مجتمعي، يَجعل الناس يقترحون ويُناقشون ويُسهمون في إيجاد الحلول لقضايا الرأي العام. فالناس عموما في معظمهم يميلون إلى ممارسة الحريات الفردية في السر، لكنهم ضدها في العلن، لأنهم يأخذون بعين الاعتبار أنهم سيُصبحون آباء لعائلاتهم مستقبلا، ولا يتخيل الواحد منهم أنه سيقبل من ابنه أن يكون مثليا، أو يقبل من ابنته أن تنام مع من تشاء تحت غطاء ممارسة الحريات الفردية. والغالبية من المغاربة يريدون الهجرة إلى الخارج، والكثير منهم تحفزه الحريات الفردية الموجودة هناك، فالمشكل، إذن، قائم في الأصل في الوعي، وليس بسيطا إلى تلك الدرجة التي يُظن، بحيث يُمكن حلُّه بشكل سحري، فقط بسنِّ تشريعات معينة.
وفي الختام، لا بد أن نؤكِّد على ضرورة أن نختار معاركنا بدقة، فالأهم من معركة الحريات الفردية هي معركة الحريات الأساسية، معركة نزاهة القضاء: كيف نضمن أنه لن يتم استغلال مؤسسة القضاء من أجل تصفية الحسابات مع هذا الطرف أو ذاك؟ معركة ضمان العيش الكريم للناس حتى لا يتم استعبادهم مقابل لقمة العيش، معركة تكوين أفراد لهم مقدرة على التفكير بحرية، ولهم قدرات ومهارات تجعلهم مسهمين في الإنتاج وفي النقاش وتوجيه الرأي العام إلى ما فيه مصلحة هذا الوطن، معركة التحرر من الخوف، معركة التأسيس لـ”حداثة جديدة تتبنّى العلم والتكنولوجيا، ولا تضرب بالقيم أو بالغاية الإنسانية عرض الحائط، حداثة تُحيي العقل ولا تميت القلب، تنمى وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود، تعيش الحاضر دون أن تنكر التراث” على حد تعبير علي عبد الوهاب المسيري. وإن ذلك لا يتم إلا بالبناء على أسس متينة، وإتيان البيوت من أبوابها، والسير على سنن الأشياء وما تقتضيه طبائعها، وليس بالبدء من القمة، ومحاولة استنساخ تجارب غريبة عن جسمنا الثقافي والاجتماعي، دون التمهيد لها بما من شأنه أن يُسهم في ضمان الوصول إلى النتائج المرجوة، ويمنع من الانزلاق إلى أمور لا نستطيع التكهن بنتائجها.