العالم من ثقب الباب..

152

تخيل أنك تتحدث عن شخص ما فلا تتحدث إلا عن جزء منه، تتحدث عن يده، أو عن ذراعه، أو عن رأسه؛ سيبدو هذا غريبا! حقيقة إنه لا يحدث، لكنه يحدث بطريقة أخرى.. كثيرا ما نتحدث عن شخص ما فنختزله في صفة واحدة فقط، صفة موجودة فيه ضمن صفات أخرى؛ نقول عن شخص ما إنه عصبي وحاد المزاج مثلا، وهو قد يكون كذلك فعلا، لكنه أيضا حنون، وكريم، ويعتذر بسرعة.

كثيرا ما يحدث ذلك، نركز على صفة واحدة ونختزل هذا الشخص فيها، ونتقبل ذلك، رغم أننا لا نتقبل الاختزال عندما نختزل الشخص نفسه في ذراعه أو يده؛ الاختزالان غير منطقيين، لكننا نستبعد واحدا منهما ونمارس الثاني. للأسف بعض هذه الاختزالات تعتقل الشخص في تصنيفات ليس من السهل عليه أن يخرج منها، وبالتدريج سيقتنع أن هذه الصفة هي الأكثر تعريفا به، بالتدريج قد تدمر بعض الصفات صفات أخرى فيه، كما يدمر أي شيء من قلة الاستعمال؛ للأسف بعض الصفات التي ستدمر قد تكون من صفاته الإيجابية، وهذا هو ما يفعله التصنيف.

المؤسف أكثر أن يحدث هذا الاختزال والتصنيف باسم الدين، كل ما في الدين له سلطة أكبر ولهذا يكون التصنيف والاختزال عبر الدين وباسمه مؤلما وقاسيا جدا. ورغم أن الدين قد أمرنا بالموضوعية في التصنيف، حتى مع من يسيء إلينا، فكثيرا ما نجد أنفسنا ونحن نمارس نوعا من التصنيف باسم الدين. القرآن يقول: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى} حتى مع المسيء، أما نحن فنمارس التصنيف والاختزال باسم الدين.

أتحدث عن تصنيف شائع عند المتدينين والملتزمين عموما، تصنيف أصحاب المعاصي، ولو أننا وضعنا كلمتي “أصحاب المعاصي” في خانة البحث، في أي محرك بحث في تلك التي تبحث في نصوص الحديث الشريف أو القرآن الكريم لكانت نتيجة البحث صفرا. بالتأكيد توجد معاصٍ وكبائر ويوجد بشر يقترفون هذه الكبائر والمعاصي، ولكن لا يوجد تصنيف على هذا الأساس.

الكبائر والمعاصي مذمومة بالتأكيد ولها عواقب أيضا، دنيوية وأخروية، ولكننا نتحدث عن التصنيف، أن نصنف شخصا حسب معصيته، وكثيرا ما نفعل؛ فلان يشرب، فلان كذا، فلانة كذا، نعم وهم قد يفعلون، لكن هل نعلم حقا أن سجلاتهم خالية تماما إلا من هذه المعاصي؟ كيف نصنفهم على هذا الأساس؟ هم ربما بحاجة إلى التوبة، أما نحن فبحاجة إلى العلاج!

كل إنسان هو عالَم كامل، عالم مليء بالإيجابيات والسلبيات، حكايات مُرة وأخرى حلوة، ربح وخسارة، صراع بين الخير والشر؛ كل إنسان فيه نفخة من الله عز وجل، وفيه أيضا يجري الشيطان مجرى الدم؛ كل إنسان هو ملحمة، رواية طويلة، ربما تكون رواية رائعة وربما لا، لكن كل إنسان هو ملحمة، ومن الصعب أن تختزل بكلمة واحدة.

كل إنسان هو عالم كامل، ولا يمكنك أن تفهم العالم لو نظرت إليه من ثقب الباب، ناهيك عن أن تغيره؛ وعندما تختزل شخصا في معصيته فأنت تنظر إليه من ثقب الباب، تختصر كل ما فيه في كلمة واحدة، وهذا بالتأكيد لن يساعدك على إصلاحه.

مقالات مرتبطة

فلنتفق أن بعض المخالفات الشرعية واضحة جدا، ومن الصعب عدم الانتباه إليها؛ نعم، توجد أفعال ومخالفات واضحة في المظهر، وفي أمور جهرية، ولكن من المهم ألا ننجر إلى التصنيف؛ لا يمكن عدم الانتباه! ولكن علينا أن نكون واعين بأن لا نصنف هذا الشخص حسب ما ظهر لنا من قمة الجبل.

تصنيف أصحاب المعاصي يتحول إلى حقيقة مع الوقت، فيبني جدارا بينك وبين الشخص الذي قمت باختزاله وتصنيفه بناء على معصيته، بالتدريج هذا يجعل الشخص، صاحب المعصية، ينساق أكثر في المعاصي.

التصنيف يتحول إلى معتقل، وغالبا ما يتعلم المعتقلون أشياء أخرى سيئة غير تلك التي أدخلوا من أجلها المعتقل؛ تذكر أنه دخل المعتقل أصلا مظلوما بتصنيفك.

سيحتج البعض على حالات قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما قام بمقاطعة أصحاب معصية معينة؛ المقارنة غير واردة إطلاقا في الوقت الحالي، تلك المقاطعة في وقتها كانت تؤدي إلى الكف عن المعصية فورا، ولم يكن يستغرق الأمر غير ساعات. اليوم هذه المقاطعات التي يمكن أن تحدث تجاه أصحاب المعاصي لا تؤدي إلا إلى زيادة المعاصي، وغالبا ما ستنتهي بأن تعزل أصلا أصحاب التصنيف الذين يصنفون هذا وذاك؛ إلى أن يجد هؤلاء الذين قاموا به أنفسهم معتقلين داخل معتقل قاموا هم ببنائه بأنفسهم.

لو أن هذا حصل، لكان جيش القادسية قد خسر فارسا مغوارا من فرسانه. إنه أبو محجن الثقفي؛ هذا الرجل كان ليس فقط يشرب الخمر، بل كان شرابا للخمر، إذ أقيم عليه الحد ثماني مرات، ومع ذلك لم تكن المعصية حاجزا بينه وبين الانخراط في الجيش الذاهب إلى القادسية، حتى إنه أخذ الخمر معه سرا. الناس كانت تعلم أنه شراب خمر، لكنهم لم يكونوا ينظرون إليه بازدراء بسبب معصيته، فهو رجل يصيب ويخطئ مثلنا جميعا؛ لم يكونوا ينظرون إلى العالم من ثقب باب. بالتأكيد الجيل الذي فتح العالم لا يمكن أن ينظر إلى العالم من ثقب باب.

وأنت يا صديق، كيف تعرف نفسك؟ كيف تختصرها؟ هل تجد ما تختصر نفسك به؟ هل هو عيب من عيوبك أم هو إيجابية من إيجابياتك؟ هل هو ذنب من ذنوبك؟ هل هو تلك المعصية التي ترتكبها والتي يجلدك إحساسك بالذنب بسببها؟ لا يا صديق، لا تختصر نفسك بهذا؛ لديك مشاكلك، نعم! يجب أن تُحَل، نعم! كلنا هكذا، لكن لا تنس، فيك انطوى العالم الأكبر.. فلا تنظر له من ثقب باب.

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج” للدكتور أحمد خيري العمري.

تفريغ : آيت الله هيدور

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي.