العفو عند المقدرة..

424

في العام الثامن للهجرة، عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة رفقة جيش عظيم لفتحها. وذلك بعد كل الظلم والتعسف الذي تعرض له من أهل قريش، والحرب التي شنوها ضد دين الإسلام.

ومع ذلك، ففور تواجهه صلى الله عليه وسلم معهم بعد فتح مكة سألهم:

يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا! أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء”

هذا ما حكته لنا المعلمة قبل سنوات، صباح أحد الأيام بالمدرسة الإبتدائية أثناء شرحها لنا لدرس: “العفو عند المقدرة”. في الحقيقة عقلي الصغير لم يستوعب آنذاك تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل الأذى التي تعرض له من ذوي قريش. قلت في نفسي ربما لأنه نبي، والأنبياء أشخاص عظماء يتصفون بالحلم.

استرعى انتباهي عنوان الدرس الذي لم أفهمه بالأساس، لأن التسامح بالنسبة لي مرتبط بالرغبة وليس بالمقدرة. كانت هذه الأفكار أهم ما جال بخاطري ذاك الصباح. انتهى الدرس، وتلقنا درس التسامح. ومرت الأيام وتلتها السنون محملة بالتجارب والمواقف.

لا زلت لحد الآن أفكر أحيانا في عنوان ذاك الدرس، مع اختلاف واحد وهو تغير نظرتي له. ربما من السهل مسامحة الآخرين عندما تتدخل المحبة في الأمر، وأعني بذلك أنه قد تتعدد المواقف التي قد يخطئ فيها قريبك أو صديقك تجاهك، ومع ذلك تسامحه وحتى أنك قد تنسى الأمر بدافع المحبة. لكني أتساءل عن ردة فعلك تجاه من تسبب لك في أذى عميق؟ هل كان التسامح خيارك الأول أو الثاني أو حتى الأخير؟ أعني هل كان بالأساس ضمن اختياراتك أم أن الأمر تجاوز قدرتك على ذلك؟

أدرك يقينا، أننا بدافع الألم وربما الغضب قد نميل إلى مقابلة السوء بالسوء، كنوع من الدفاع عن النفس. ربما بالكلام وربما بالفعل. لكن السوء لم يكن أبدا الحل المناسب لتصحيح الخطأ. في المقابل، نختار أحيانا الانسحاب الذي قد ينتهي بالمقاطعة، ظنا منا أننا بذلك قمنا بإغلاق الموضوع في الوقت الذي لم نقم سوى بالهروب من الحقائق.

لقد جربت في وقت سابق من حياتي كل هذه المحاولات، كغيري من الناس، لكنها باءت جميعها بالفشل. حينها أدركت أن رد الفعل الأنسب لتصحيح الخطأ هو العفو. هو أمر ليس بالهين، يتطلب التأني في الفعل والتفكير العميق، لكن نتيجته تفوق دائما ما نتوقعه.

الكثير من الناس يعتبرون التسامح نوعا من الضعف والانكسار. بظنهم أن عدم تلقين الآخر درسا قد يجعله يتطاول عليهم فيعيد الكرة ما أن تسمح له الفرصة. هذا ما وبختني به صديقتي قبل سنوات عندما تطاولت علي إحدى الفتيات بالكلام فأجبتها بالصمت. ربما كانت على حق، لكن الأهم هو قدرتي آنذاك على تجاوز الموقف دون إعارته أدنى اهتمام. في المقابل فقد تجاوز الغضب برودة أعصابي مؤخرا عندما تلقيت سبا وشتما من إحدى السيدات لأني لم أركن السيارة جيدا مع أني تركت مساحة كافية لمرور السيارات الأخرى. لم تكن تعلم أني كنت أنتظر قدوم أمي وأن الأمر يتطلب على أعلى تقدير ثلاث دقائق. كنت أتساءل كيف أجيب امرأة في مقام الخالة على قلة أدبها. اكتفيت بالصمت وأزحت ناظري عنها ما زاد نار الغضب لديها. في المقابل وَتَّرني كلامها كثيرا رغم أنني لم أقابل سوءها بالسوء. لاحقا أخبرني خالي أنه حضر للحادثة وأعجب بهدوئي تجاه فورانها. لم يكن يدري كمية التوتر الذي عشته بسببها. لكن كلامه حسن من نفسيتي. قررت يومها أن أسامحها عن مقدرة وليس عن رغبة وأنا أعلم أني لن ألتقيها مرة أخرى. ربما كانت تمضي يوما سيئا!

أن تسامح الآخر معناه أن تقدر ظرفه، أن تلتمس له الأعذار، أن تعي أن الآخر لم يكن أبدا عدوا لك لأن عدوك الحقيقي هو السوء الذي يقر في نفسك. معناه أن تستسيغ وقوع الآخرين في الخطأ تماما كما تتقبل أخطاءك. هذا اعتراف جلي بأن الخطأ صفة إنسانية، أن تضع احتمال كون الآخر على حق من زاوية رؤيته للأمور ولو بنسبة ضئيلة، وبهذا تعترف أيضا بالاختلاف. أن تسامح معناه أن تضع حدا للسوء، على الأقل من ناحيتك، أن تركز تفكيرك على الأمور التي تعنيك حقا عوض الانشغال بمراجعة الأحداث وإشعال نار الغضب بداخلك أكثر. وبهذا يكون التسامح طريقة لمداراة الألم وأسلوبا لمعالجة الغضب والأكثر من ذلك أنه نوع من النضج الفكري الذي به تتغير نظرة الإنسان للحياة.

في صغري، كان أبي يردد على مسامعي أنا وأخي إحدى الآيات، لكثرة جدالاتنا. فيخبرنا قائلا “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” لا أخفي عليكم عدد المرات التي أنهت فيه هذه الآية مشاجراتنا. ففي الوقت الذي كنا ننشغل فيه بتحديد المخطئ في القصة، مع أنه في الحقيقة كان الخطأ في أغلب الأحيان مشتركا بيننا، أصبحنا نركز على مقابلة السيئة بالحسنة بنية الصلح. ربما كانت رسالة أبي آنية لإيقاف شجاراتنا أنا وأخي. لكن معناها لا زال يحمل بالنسبة لي من العمق ما لم أبلغ حده؛ فبالقدر الذي تكون فيه مقابلة السوء بالخير صعبة وثقيلة على النفس، فلا شك أن قيمتها عند الله كبيرة وجزاؤها عظيم، وبهذا ينتقل التفكير من مجابهة الخلق، إلى إرضاء الخالق. لربما كان الهدف الرئيسي من عفو النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قريش أن يرسم في خيالنا أنواع الظلم والأذى الذي تعرض له أنقى الناس وأطهرهم، لنتفاجأ برد فعله المتسامح اتجاههم. وهذا ليس الموقف الوحيد في السيرة النبوية الذي يجسد لنا قوة التسامح لدى رسول الله. بل تعددت قصصه صلى الله عليه وسلم واجتمعت على مواقفه المتسامحة لحظات قوته. ولا أظن أن سبب ذلك فقط كونه نبيا، بل إن الرسالة أعمق وأكبر كونه قدوة.

الآن وبعد قراءة هذا المقال، طبعا وإن أقنعك المحتوى، حاول تذكر بعض المواقف التي تعرضت فيها للظلم ولم يكن التسامح أحد خياراتك. قدم خدمة لنفسك، وللطرف الذي أخطأ بحقك، وسامحه من أعماق قلبك. صدقني أن تفكيرك سيصبح أكثر صفاء، وربما ستسعد أكثر مما ستتوقع. في يوم من الأيام عندما تعيش أمرا سيئا مرة أخرى، حاول أن تسامح كخيار أول رغم صعوبة الأمر لكن الخيار الأصعب عادة ما يكون هو الأصح.

سامح ما دمت تستطيع.