دعاة لا قضاة!

91

من الكتب التي استفدت منها استفادة عظيمة، وغيرت حياتي وفهمي للدين وفهمي للتعامل مع الناس، كتاب “دعاة لا قضاة”، للمستشار القاضي الكبير حسن الهضيبي رحمه الله، دعاة لا قضاة، كتبه في الحقبة التي ظهرت فيها في مصر جماعة سُمِّيَت بـ”جماعة التكفير والهجرة”، إذ أنهم كفروا الناس، واعتزلوهم بالهجرة إلى الأرياف والجبال؛ وتكررت هذه الظاهرة في حياتي عدة مرات، رأينا ظاهرة التكفير وآخرها لما ظهرت جماعة داعش.

وفي بداية ظهور داعش وجدت في الحقيقة عددا كبيرا من الشباب تأثروا بها، بيد أنني حاربتها من أول يوم، وسبب حربي لها هو فهمي الذي تعلمته من “دعاة لا قضاة”، وأذكر أني لما كنت أنشر أفكاري حول هذه الجماعة المنحرفة في فيسبوك وتويتر وغيرها من المواقع، كان 90 بالمئة بتقديراتي من جمهوري يهاجمني ويعتبرهم على صواب وأنا المخطئ؛ ومع الأيام الحمد لله ظهر للناس انحرافهم وهمجيتهم وتخريبهم للدين.

كيف عرفت من أول يوم أن هذه الجماعة منحرفة؟ ليس فقط لوحشيتها، هذا جزء رئيسي مما علمني الإسلام أنه ليس دينا وحشيا، بل دين رحمة ورأفة، وإذا كانت فيه لحظات قسوة فهي استثناء نادر جدا ومحكوم بسياق مناسب يستدعي تلك القسوة والشدة؛ فواحد من الأسباب الرئيسية التي دلتني على أنهم منحرفين هو هذا المعنى العميق: نحن أرسلنا الله سبحانه وتعالى دعاة لا قضاة، نحن ليس مطلوبا منا أن نحاكم البشر كما يفعل بعض الناس حتى من العلماء للأسف: هذا مرتد، هذا كافر، هذا منحرف، هذا اسمعوا له، هذا لا تسمعوا له، اتركوا الناس تستعمل عقولها، اتركوا الناس تسمع وتستعمل عقولها،  يسمع ويفكر، إذا كان صاحب عقل سيهتدي.

مقالات مرتبطة

أصناف الناس..

حفظ الكليات الخمس..

أدلة الغيبيات

فهؤلاء الجماعة وأمثالهم كثير في التاريخ الحديث والقديم، جعلوا أنفسهم قضاة هم المحقون وكل الناس مخطئ، هم على حق وكل الناس على باطل؛ من المعاني التي تعلمتها من سادتنا العلماء الكبار: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، وأنا شخصيا تشربت معنى أراه مختلفا حتى عن هذا، أنا رأيي أعتبره صوابا يحتمل الخطأ ورأي غيري أيضا صواب يحتمل الخطأ، لماذا أعتبره خطأ يحتمل الصواب؟ لماذا لا يمكن أن يكون هو على حق وأنا مخطئ؟

ليكن عندنا القليل من التواضع، ليكن عندنا القليل من الاستعداد للتراجع، ثم ما قصة هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار؟ هل نحن إله حتى نحكم على الناس؟ لذلك جاء في الحديث لما قال رجل من بني إسرائيل: “والله لا يدخل الله فلانا الجنة”، فقال الله تعالى: “من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك”.

لا تعَيِّنوا أنفسكم آلهة، فنحن دعاة لا قضاة، ليس المطلوب مني أن أحكم على دين الناس، على تقوى الناس، على صلاح الناس، امرأة مومس تعيش من الزنا حاشاكم، يدخلها الله سبحانه وتعالى الجنة بكلب رحمته؛ من نحن حتى نعين أنفسنا قضاة نحاكم الناس؟ نحن دعاة مطلوب منا أن نبلغ، والله سبحانه وتعالى يتولى عباده، هو الإله، هو القاضي، هو الحق، هو الحكم سبحانه، إن الحكم إلا لله ليس لنا، فعيشوا بمعنى الدعاة لا القضاة.

عن سلسلة “حصاد العمر” للدكتور طارق سويدان.

تفريغ: سهام بنعزيزي.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي