كلمة في حفل تخرج..

413

ليس أصعب من ظروفٍ تجبر الإنسان على التحلي بما ليس فيه أو تبني ما ليس له، فالصراخ للهادئ والحُلم للعصبي والمغامرة للخائف وكل ما هو غير اعتيادي؛ يصعب انتزاعه من جوف الإنسان كاقتلاع فريسة من فم أسد!
وها أنا أقف على مسرح الجامعة في حفلٍ قالوا عنه حفل تخرجي؛ ليتم تكريمي كأحد المتفوقين، وبغير ترتيب يطلبون مني إلقاء كلمة على الحضور، ولكن…

ولكني لا أجيد الكلام المنمق، لا أعرف ما يقال في هذه المواقف، لا أعرف سوى أن أُتحدثَ مع نفسي.. وإذا بالحضور ينظرون إليّ في تأهب، وبيدي ميكروفوناً تتعرق أصابعي عليه، وقدماي تكادا تسقطان من الارتجاف، وتهرب كل الكلمات من عقلي كلما حاولت إمساكها.
فأنا شاب لا أقـدِم على المغامرة ولا تقدم عليّ، في سنٍ قالوا عنه سن الجنون والمغامرة والتجارب اللامتناهية، ولكني لا أتحرك إلا بحساب فلا مجال عندي للتجارب غير المضمونة؛ في وسطٍ كل من حولي يركض به بلا مبالاة للعواقب، أنظر كثيرًا إليهم بغبطة وأتساءل؛ هل التجربة بلا حساب ممتعة؟ هل الاستغراق في الصداقة والحب جميل؟ وأنظر بداخلي فأجد خطوات محسوبة تخاف مخالفة الطريق المرسوم.
حتى علاقات الصداقة لم تتمكن مني، لم أعرف معنى العلاقات القوية والمحادثات الطويلة وأسرار الأصدقاء، كنت أرضى بما تعطيه الحياة لي، زملاء المدرسة والجيران الاعتياديين وتجمعات الأقارب والأهل، فكان لي حظٌ من زَبد الصداقة ولكني لم أحظى بصديق.
ودخلت الجامعة، مرحلة قد تبدو عادية ولكن كانت مفترق طرق لي. ولا توجد مفاضلة بين الطرق، فجميعها غير واضح العواقب تملؤه الاحتمالات والشك، وقررت  أخيرًا الانتماء لكلية الفنون! لا تبدو كلية مناسبة لهذا الشخص الهادئ، وقد ظهر هذا بعين أبي التي يملئها العجب والشك متسائلاً:

– هل أنت متأكد من دخول كلية الفنون يا فارس؟

فقلت في تردد:

– نعم يا أبي متأكد، فأنا أهوى الفن والرسم…

– فقال بصوت قاطع: ولكن الحب ليس كافياً لتقرير مستقبلك يا بني.

-“نعم الحب ليس كافيًا ولكن ما الكافي؟ ما الذي يريده العالم مني؟ أاختار ما أريد وأغامر أم أخضع لرغباتهم؟ هذه أول مغامرة أخطوها بقراري، نعم أنا لا أجيد الرسم كما الفنانين ولست مجنوناً مثلهم ولكن في نفسي شيء منها…”

حدثتني نفسي الخائفة أن أتراجع، خاصة أن اختياري لم يكن بترحيب العائلة؛ فوالدي يعمل طبيبًا وأمي تعمل موظفة في أحد البنوك، فأي فنٍ أهواه أنا!

ولكني قررت الإكمال رغم نفسي المترددة، وقدمت في اختبارات القبول للكلية ونجحت بها علي غير المتوقع… فرحت حينها كما لم أفرح من قبل وانتابني شعور الانتصار في معركة وطيدة ولكن لا أعلم على من انتصرت!

ولم تطل سعادة الظفر عندما بدأت الدراسة، فأصبحت أيام الجامعة ثقيلة، كانت تحاول انتزاع شيئًا ما بداخلي وأنا أقاوم… ولا يستمتع بهذه المرحلة سوى المغامرون الذين يشاركون في كل النشاطات بلا تردد ويخوضون التجارب بلا خوف ويصادقون جميع الناس بلا قلق، أما أنا فأذاكر المحاضرات في رتابة وملل فأين روح الفنان؟

إن الفنان  بطبعه مجنون وقلق، يركض بلا هوادة، فلماذا أنا الهادئ هنا بين هؤلاء المغامرين؟

حتى تخليت ذات مرة عن فرديتي وقررت عمل مشروعي الفني مع مجموعة من الزملاء، كنت غريبًا بينهم في البداية ولكن أحدهم رحب بي كثيرًا!

كان شهاب أحد أفراد مجموعتي، بل كانت تبدو عليه القيادة، كان قائدهم عن حبٍ منهم. وجدت فيه صفات تمنيتها في نفسي، كان ذلك الفنان المجنون الذي أطمح أن أقلده؛ يصعد علي المنصات بلا خوف ويلقي الكلمات، يناقش الأساتذة بجرأة وفكاهة.

وكان إعجابي به سيتحول إلى سخط لعجزي عن تقليده، إلا أنني قررت المغامرة للمرة الثانية ودخول مجموعة شهاب، علّ تُصيبني منه عدوى.

وبدأت اجتماعات الفريق لمناقشة الأفكار، وإذا أجد نفسي أعرض أفكارًا فنية راودتني كثيرًا، وجدتني أتحدث عنها بطلاقة وفصاحة، كأنني لم أسمع صوتي منذ أمد بعيد، كانت الكلمات تَخنق حنجرتي وهاهي خرجت أخيرًا…

بعدما انتهيت شعرت بخِفةٍ في التنفس، كأن الهواء يدخل إلى رئتي لأول مرة.

وأعجِب الفريق بفكرتي وقرروا تنفيذها، وشعرت للحظات أنني فنان كبير، ذلك الفنان الذي طالما فتشت عنه وشككت بوجوده، لقد حضر الآن وما كان يريد سوى فرصة.

وتغير الحال وعشقت مجالي وكليتي، ووجدت الصديق الذي استحق مغامرتي لأجله، فكان شهاب مختلفًا عمن قابلتهم، كان معجبًا بي وبأفكاري، كان في صدارة المشجعين لي، حتى قال لي ذات يوم وكأنه يفصح عن سر دفين:
– تمنيت أن تصبح صديقي منذ أول لقاء بيننا يا فارس…

فقلت في دهشة وابتسامة تلقائية:

– حقًا! لم أعلم أن بي ما يستحق الإعجاب، حتى أنني لست مغامرًا جريئًا مثلك…

– لكلٍ منا مغامرته الخاصة مع نفسه وفي محيطه يا فارس، فلا تتشابه طرقنا ولا أولوياتنا ولا ردود أفعالنا، وبها تختلف أشكال مغامراتنا، لسنا متشابهين ولن نكون، وهذا هو سر إعجاب البشر ببعضهم.

تذكرت هذه الكلمات وأنا ممسك بالميكروفون في حفل التخرج، ولازال الصمت سائدًا لألقي كلمتي…

وهمت الكلمات أن تخرج من فمي، فرحبت بالحضور…
وتكلمت كأنني ولدت على منصة إلقاء:
“بعد خمس سنوات في الجامعة تعلمت فيها معنى المغامرة والتجربة، وخضت الفشل الذي كنت أهابه والنجاح الذي تمنيته، تعلمت معنى الاختلاف وأنه لا يوجد مقياس أو شكل ثابت للفنان؛ بل إن العبرة فى تباين طرق الوصول، فكلٌ يغامر على طريقته الخاصة “.