“وإن تعفوا وتصفحوا”

192

يقول معلم الإنسانية صلى الله عليه وسلم: “أوصاني ربي بتسع”، وذكر منها: “أن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني”، ويقول رب العباد عز وجل: {وإن تعفوا وتصفحوا فهو خير لكم}، فهل هو خير من منطلق المثوبة من الله في الآخرة؟ نعم؛ ولكن الخير أكثر من ذلك.

العلم الحديث يبصرنا بزاوية من ذلك الخير الذي يجنيه في الدنيا قبل الآخرة من يعفو ويصفح، فقد أكدت أبحاث عديدة وجود علاقة وطيدة بين العفو والصفح وبين صحة الإنسان؛ يقول مايكل باري، في كتابه عن علاج الأمراض السرطانية: “إن فقدان القدرة على المسامحة هو في حد ذاته ظاهرة مرضية تؤثر سلبا على الصحة، خاصة إذا كان المرء مصابا بأحد الأمراض المزمنة”.

ويضيف باري: “إنه من المثبت علميا أن التوتر العصبي نتيجة عدم العفو والصفح والمسامحة يضر بالجهاز الهضمي، والأوعية الدموية، والشرايين، ونظام المناعة في الجسم”، فعدم العفو والصفح ينهك الجهاز العضلي نتيجة التوتر العضلي المستمر، ويزيد من نسبة الإصابة بالصداع وآلام المفاصل والدوخة، والإحساس بالتعب والإرهاق، وفقد التوازن، كما يسبب آلاما مزمنة في مناطق مختلفة بالجسم، والتأخر في إصلاح الخلايا والأنسجة التالفة، أو إصلاحها بطرق غير سليمة، وإضعاف القدرة على الإصلاح والشفاء بشكل عام.

إن الأشخاص الذين يرفضون الصفح والعفو قد يعتقدون أنهم يعاقبون غيرهم، ولكن الوحيدين الذين يدفعون الثمن هم أنفسهم، لعدم قدرتهم على العفو والصفح والمسامحة، وهم أشبه بالذي يتجرع السم ويتوقع بذلك أن يؤذي به غيره؛ يقول بعضهم: “لكنني لا أستطيع أن أعفو وأصفح، فهو أمر غير طبيعي”، ونجيب بـ”نعم”، فهو ليس بالتصرف الطبيعي بل فوق الطبيعي، لذلك قال الله عز وجل: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم}، إنه عمل متعمد مقصود أن أتخذ قرارا بالعفو، وأن أدفع بالتي هي أحسن امتثالا لأمر الله، ورغبة في رضاه؛ فإن فعلتَ وطوعت نفسك لذلك فإن الله سيكرمك ويلين قلبك، ويملأه حبا لمن حولك.

إن المشاعر السلبية مثل البغض وعدم الصفح والعفو عمن نعتقد أنه ظلمنا أو حرمنا أو قهرنا، تسبب تغييرا جوهريا في مسار طاقة الحب الطبيعية في الجسم، مما يؤدي إلى تغيير في طريقة إفراز المواد الكيميائية والكهربائية في الجسم كاملا، وخصوصا الموجات الكهربائية في الدماغ، مما يجعل الإنسان أقل قدرة على التفكير بصورة واضحة واتخاذ قرارات صائبة.

مقالات مرتبطة

فعالية الغرب

القدر أو الاختيار

فوائد السفر..

إنه بحق لأمر عظيم أن يكون لك قلب قادر على الصفح ويعفو حتى عن عدوك؛ ولقد كان لنا في رسول الله قدوة حسنة، فإنه كان يقول: “اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون”، وقوله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة لقريش: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وهي قريش التي تآمرت لقتله.

وحين تدعو بالصلاح والهداية لمن اعتدى عليك وظلمك فإنك ستشعر بشيء من الحب والرحمة تجاهه، ولكن يستحيل أن تنزع البغض دون أن تضع شيئا آخر مكانه.. هذا الشيء هو الحب، الحب للخالق، والحب للمخلوق لوجه الخالق سبحانه وتعالى، وهو أدعى أن يجعل الله لك به مخرجا ويفتح لك أبواب الرزق: ‏{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

معظم الناس عندما يصلون إلى مرحلة العفو والصفح فإنهم يصفون تغيرات في مشاعرهم وتصرفاتهم وسلوكهم وأفكارهم، ويشعرون بأن حملا ثقيلا قد أُزيح من على أكتافهم، وتختفي لديهم الرغبة في الانتقام، ويفكرون بوضوح وصفاء، ويغمر قلوبهم الحب والحنان والرحمة، تلك الرحمة التي وصفها الدكتور مصطفى محمود بأنها أعمق من الحب وأصفى وأطهر، ففيها الحب والتضحية، وفيها إنكار الذات، وفيها التسامح والعطف والعفو والكرم.

إنه بحق عمل شاق، يحتاج إلى إرادة واعية، ونية مخلصة، وصبر، وعزيمة، وعون من الله، وهو فوق الطبيعي؛ ولذلك لا يُلقاها إلا الصابرون وأصحاب الحظ العظيم: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم}.

 

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ: تيسير بوتشيش

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي