وداعاً يُوسُف.. كُنْ بِخيرٍ عزيزي..

176

عندما كان يُوسفُ يحادثُ صديقَه حمزة وهما يُسندان ظَهْريهما لنافذة القاعة ثمانية، يَضحكُ مِلء شدقيه وَهُو يَلفُّ سنه في ورقٍ مَزّقهُ من دفتر مُلاحظاته؛ مُناجياً السماء أن تَهبهُ سِنّ الغزال مُقابل سنّ الحمار، أتذكرُ أنِّي أطلقت عقب قولهِ ضَحْكة وأنا أطلّ عليهما، لكني لم أكنْ أعرفُ حينها أنها ستكونُ المَرّة الأخيرة التي سأسمعُ فيها قفشة من قفشاته الطّريفة التي كانت تصنعُ على الدّوام ابتسامة على وجهي، سَتُرافقني كُلما تذكرتُه.

اليوم، مرّ أسبوع تقريباً على غياب يُوسف، سألتُ قريبته عن سبب غيابه غير المعهود، لتخبرني أنه غادر منذ أيام إلى مدينة الناظور في انتظار أن يجد فرصته للعبور إلى اسبانيا؛ بعد أن جاهد والده في تدبّر مبلغ لم يكن بالهين. نزل عليّ الخبر كالصّاعقة، لا أسمع سوى دقات قلبي تتسارع… وكأنها ستقذف به من القفص الصّدري؛ ليس لأنها المرة الأولى التي أرى فيها شباب ومراهقين يغادرون مقاعد الدراسة وتراب الدّوار ليسلموا أرواحهم لظلام البحار من أجل الهجرة سرّاً إلى أوروبا؛ فكثيرون غادروا هذه الربوع قبل يوسف، وسيغادرون بعده لتبلعهم مياه البحر المالحة، وتُبدّدَ أيامهم رياح الشّمال، فتزُجّ بهم في شواطئ التيه؛ مجهولي الهوية والمصير. لكن لأن طفلا بثلاثة عشر سنة، بثغرٍ باسمٍ في وجهي على الدّوام، وكثير من بُقع النُّور تتراقصُ في العيون، طفل ذكي ومهذب ومجد، جميل بشغبه اللذيذ وحبه للدراسة والعمل، فكيف يغادر المدرسة طفلٌ بكل هذا الضّياءْ؟ كيف لقلب أم أن يكون بهذا الجفاء، فيترك أغلى ما يملك وحيدا ومنسيا كنورس يتيم يدور حول نفسه فوق قوارب الموت؟ كيف للمعلم والمدير والمدرسة، أن لا يكونوا على علم بنوايا يوسف؟ كيف لهم جميعا أن يكونوا بهذا البرود دون أن يقتفوا أثره ويُفهموه أن البحر كالثور الهائج، مرعبٌ حدّ الموت؛ ” الداخل له مفقود والخارج منه مولود”… وأن الدراسة هي زَورَقُ النّجَاةْ، والسبيل الوحيد لصناعة الوعي بالعالم والذات؟

رجعتُ أدراجي إلى المنزل شاردة الذهن ومشتتة البال، مُتثاقلة الخطى ومنهكة كجندي مهزوم. هكذا تموت الحيلة في يد المعلّم؛ فلا تنفعه فطنة المدرس ولا بيداغوجيا التدريس في أن يفهم ما يختلج خلد مراهق. خلعتُ سُترتي ووقفت طويلا عند النافذة المُشرعة للغرفة، أفركُ يداي، وأتأمل الغُيوم التي تسير نحو المجهول في سماء الدّوار… قبل أن ينبعث صوتُ المؤذن من المسجد معلنا موت أحدهم، كما سأعرف من بعد من جارتي سعيدة أن الفقيدة لالة زَهرة، زوجة سّي مْبارك صاحب البقّالة البشوش الذي أقتني منهُ خبز وحليب الفطور كُلّ صَبَاحْ، لم تشأ الحياة أن تعذّب المسكينة زيادة بعد يومينْ من ملازمتها الفراش، هو الموت هكذا؛ لعبة القدر الخالدة، يأتي على غفلة منا دون سابق موعد ولا إنذار، لكنه رغم كلّ شيء،  يظل أعدلَ قسمة بيننا نحنُ البشر، هو الشيء الوحيد الذي نكون أمام حتميته سواسية؛ لا فرق بين رجل وامرأة، بين رضيع يرشفُ قطرات الحليب، وشيخ بلغ من العمر أرذله، بين غني يملكُ الجاه والمال، وفقير مُعوزٍ يقف على باب الله. ألف رحمة على روحكِ أيتُها الطيبة، محظوظة أن رحلت عن الحياة ليلة الجمعة لما تحمله من خير وبركة، أو على الأقل، هكذا كنت أظن ولازلت، فأيام الله في هذا المدشر مُتشابهة حدّ الرتابة؛ لا فرق فيها بين الجمعة والإثنين سوى بعدد خيبات الأيام، وحجم الأحلام التي يُفقس بيضها كلّ يوم.


فجأة! وبكيفيةٍ غامضة، حاصرني اليأس والقنوط، لا أعرفُ لماذا، لكنّي لمْ أستبشر خيراً بكُلُّ ما وقعَ، كُلُّ ما تمنيتُهُ حينها، هُوَ أن يكون يوسُف بخير… آويتُ إلى الفراش باكراً دون أن أتناول شيئا، أُحملقُ في السّقف والأشياء من حولي، تداعتْ إلى خيالي مُختلف السيناريوهات الُممكنة وغير الممكنة؛ وكأني أشاهد فيلما وثائقيا، أو أقرأ فصلا من فصول رواية ما؛ تدور أمامي مشاهده بمنتهى الوضوح، يتراءى لي يوسف مُنكمشا على نفسه، بعينين ذابلتين وجسد أنهكه التعب والجوع والبرد، يَجلسُ القرفصاء منتظراً وصولَ « الزوديّاك » رفقة فوج من الشباب؛ أغلبهم في مثل عمره أو أكبر منه. تتسرب منهم كلمات متقطعة: هجرة، أحلام، أمّي، الوطن…

إنه لشعورٌ دامٍ أنْ تحملَ جسدك الخائف من المجهول على قارب صغير هش، قدْ يصل بك إلى برّ الأمان، وقدْ يغرق بك وسط بحر عميق لا يرحمُ أبداً… وبين هذا الاحتمال وذاك، تختارُ أنْ تُغامرَ بحياتك وذكرياتك، بحلمك، ودموع أمّك، التي بكت كثيرا وهي تستجديك في محاولة يائسة منها، أن تُقنعك بالعدول على نِيتك فقطْ لأنّ سيارةً تحمل لوحة ترقيم إسباني، يَسوقها بسرعة البرق شابٌّ مُتهور عادَ لتوه ليمضي عطلته بالدّوار، واضعاً على صدره حقيبة، مُستمتعاً بموسيقى صاخبة تثقب طبلات الأذن أغرتكْ، فقررتَ بطيش صبيّ لم يفقه بعد في الحياة شيئاً أن يكون البحر ملاذك الأوحد… ولو كان ذلك على حساب حياتك.

خوف، حيرة، تردّد، اضطراب، وشراسة تُخفي وراءها قلوبا هشة تنبض بقوة مُتحدّيةً أمواج البحر أنْ لن يهزم عزيمتها في الوصول إلى أرض تجهل حتى لُغتها… مشاعر مُضطربة، وخوفٌ من المجهول بادٍ على سحنات الوجوه، صمت، وهدوء، وترقّب، لا يكسره سوى هدير أمواج البحر المُجلجلة… ويُوسُف الصغير… هُناك؛ وحيداً رغم كل الأجساد المكدسة جنبه، يلفُّ شاله الأسود حول عنقه، ويضعُ نفس القُبعة الزرقاء التي ارتداها آخر مرة رأيته فيها، حاشراً يديه الصغيرتين بين ساقيه لعلّهما تدفئان قليلاً، عيناه الواسعتين تلمعان في الظلام، كأنهما تتمسكان بخيوط أملٍ، قدْ تتقوى وتصمد، فيتحقق معها الُمُراد، وقدْ تتمزّق في أية لحظة، فيموتُ معها الحُلُم… ويعود في كفن…

أسبوعٌ آخر يمضي دون أن أسمع عنك خبراً يا يُوسُف… لا شيء جديد في الدّوار، مازال كما تركتَهُ رتيبًا، غير مباليا بأبنائه الذين يختفون يوماً بعد يوم، مازال أهله ينامُون باكراً كالدّجاج، ثم يستيقظون فجراً ليجتروا لقمة الخبزِ القاسية طِوال اليوم. لا خبر جديد عنك، لا أعلمُ إن كنتَ قدْ وصلت أمْ أنّكَ… لا أريدُ حتّى أنْ أفكّر في الاحتمال الثاني أبداً، لا أعلمُ الآن سوى أن صَديقيك حمزة وعبد الرّحمان توقفا عن الحضور في الفصل، تدور أخبار هنا وهناك -لا أعلم بعد مدى صِحّتها- أنهما يُخطّطان للّحاق بك… كم يؤسفني أن تُحلق أحلامكم إلى الشّمال، فيصيرُ عُباب البحر المشجب الذي تعلّقون عليه أمانيكم. لقد صارت الهجرة السرية في منطقة «ألنيف»الواقعة بالجنوب الشرقي للمغرب، أشبه بالوحش الذي يأكل عقول الصّغار، الذين غدت طموحاتهم أعلى من سقف الدّوار.

لم ُيسعفني القدر أن أقنعك بالعدول عن الفرار، ولم يمكنني حتى من أن أودعك، وأوصيك أن تعتني بكَ كثيراً، وتكون قوياً وحكيماً بقدر ما استطعت لمجابهة الحياة؛ فهذه الحياة يا صغيري أشبَه بالمرأة اللّعوب، قدْ تبدو حسناءً في عينيك البريئتين، فتَضُمّكَ إليها بشغف، لكن كُنْ حذراً، فقدْ تنتزعُ منكَ الشَّغف ذاته في أيّ وقتٍ تشاء.
وداعاً يُوسُف… كُنْ بخيرٍ أينما أخذتك الحياة عزيزي… واعذرني، اعذرني كثيراً… ففي الوقت الذي كنتُ أعتقدُ بشيءٍ من الغباوة أنك -كَكُلّ الأطفال في مثل سّنك- تحلمُ بلعبة، لمْ أكُنْ أدركُ أنكَ كَبرْتَ قبل الأوان، وبات حُلمك أكبرَ من أن يُرسَمَ فوق تُراب الدّوار، وأشسع من أنْ تحُدّه حدود الوَطن…