يوم حططنا الرحال في مدينة الموت

970

يأتي هذا المقال في إطار سلسلةٍ من المقالات أكتبها وأنشرها عن الهند، وهي في المعظم عبارات عن حوارات خضتُها مع أشخاص، إما من السكان الأصليين أو من الزوار الذين يَقصدون هذا البلد لأغراض دينية وروحية. وقد سبق أن نشرتُ ثلاث مقالات في هذه السلسلة، يمكن أن تعود إليهما، عزيزي القارئ، إذا لم تكن قد اطلعت عليهما، ستجدهما تِباعاً في هذه الروابط:

حوار هادئ مع بابا هندوسي
عم يبحث الناس في ريشيكيش؟
جولة في شوارع ديلهي

وقد قلتُ في مقال سابق عن هذا البلد: “إنه بلد غني بالآلهة”، لذلك فالتركيز في هذه المقالات يكون غالبا على هذا الجانب، أعني على الأفكار والطقوس الدينية. غير أنه وجب البيان أنني في هذه المقالات كلها إنما أحاول أن أفهم كيف يُفكر هؤلاء الناس، وكيف يَتَمثَّلون الحياة، وكيف يُجيبون عن بعض الأسئلة والقضايا المعقدة في حياتنا، انطلاقا من منظورهم الديني. ولستُ أقصد في هذه المقالات إلى بيان موقفي من تلك الأفكار والطقوس، لا بالسلب ولا بالإيجاب. فكل ما في الأمر أنني أحاول أن أفهم، وأن أصف ما فهمتُ، وأن أوصّل إلى القارئ هذا الذي فهمتُ، لا أقلَّ من ذلك ولا أكثر.

في الواقع، أعتبرُ أن السفر إلى الهند من أهم الأسفار التي قمتُ بها في حياتي، من حيثُ كثافة المعاني التي اكتشفتها فيه، ومن حيث عمقُ الأشياء التي تعلمتُها من خلاله. والسفر إلى هذا البلد يمكن أن يعد بمثابة رحلة عبر الزمان، بل إن التنقل داخله من ولاية إلى أخرى قد يدفعك إلى إعادة التفكير في مفهوم السفر أصلا، وإعادة تعريفه ليصير مفهوماً أكثر تلقائية وروحانية وإنسانية. في الهند، ستتعلمُ القدرة على الذوبان والانصهار في كل الظروف، مهما كانت طبيعتها وقسوتها وغرابتها، وفيها سيتغير الكثير من المفاهيم والمعايير لديك. وأنت تحتاج إلى حظ عظيم من البلاغة لتستطيع وصفَ هذا البلد المعجزة، الذي يمكن اعتباره أعجوبة العالم، وبلد المتناقضات؛ إنه بلد أسرع نمو اقتصادي وسط أكبر معدل للفقر؛ بلد الاقتران الدائم بين الجمال وقسوة العيش، بلد اختلاط رجاحة العقل بقلة ذات اليد، البلد الذي يضم فوق ترابه سدسَ سكان الأرض وكلَّ أديان المعمورة؛ إنه الأستاذ الذي يحكي لزواره القَصص والعبر من تاريخ طويل غني ممتد في الزمن، والعروس التي تتزين لقاصديها بجغرافيا متنوعة، لا يُقاوَم إغراؤها، ولا يجدون لها نظيرا في بقية بلدان العالم، والعجوز التي تعطيهم دروسا في الحكمة والفلسفة والتعايش والسلام، وهي نفسها البلدة التي تبوح لهم بكل أسرار السعادة والهناء والطمأنينة والصفاء واستقرار الروح.

بعد خمسَ عشرة ساعة من السفر في الدرجة ما قبل الأخيرة في قطار هنديٍّ بطيء جدا، وصلنا إلى فاراناسي، وهي أقدس مدينة هندوسية في العالم، إذ تعد بمثابة الفاتيكان عند النصارى، أو مكة عند المسلمين. هذه المدينة يحج إليها سنويا حوالي 4 ملايين هندوسي، من بين 900 مليون هندوسي يوجدون حاليا في العالم، حسب إحصائيات تقريبية، أغلبيتهم الساحقة يعيشون في الهند. وقد كانت هذه المدينة تعرف ب “كاشي” أي “مدينة الحياة”، رغم أن الموت جزء لا يتجزأ منها، فجثث الهندوس تحرق في كل مكان في هذه المدينة، ثم ترمى في نهر الگانج؛ بل إن هناك من الحجاج من يأتي، تاركا وراءه كل شيء، فقط لينتظر الموت في فاراناسي. إن الموت هنا أمنية كل هندوسي؛ لأن الوفاة هنا، في اعتقادهم، تعني انقطاع سلسلة الموت، والولادة من جديد في شخص أو حيوان آخر (الموشكا)، مما يجعل هذه المدينة القلب النابض للهندوسية في العالم.

ويقصد الكثير من الهندوسيين هذه المدينة أيضا للتطهُّر من الذنوب بالاغتسال في نهر الگانج، والتعبد في معابدها الكثيرة، وفيها يتعلمون طقوسَ ديانتهم، وتُحرَق جثتهم أمام أنظار الناس احتفالاً بخروج الروح من سجن الجسد، ووصولها إلى المرتبة المقدسة، وانتهاء سلسلة الانتقال من حياة إلى أخرى؛ وذلك أن الهندوس يعتقدون أن من مات في فاراناسي يجب أن يُحرق، لأنه أعتق نفسه من سجن المادة! وبعد إحراق جثته يجب أن يلقى في النهر، لأن إعطاء الجسد لفاراناسي هي الضمانة الوحيدة لإنهاء سلسلة التجسد.

إن المقام في هذه المدينة يعني سماع الكثير من القصص، والالتقاء بالعديد من الناس، من مختلف المشارب والأطياف والأعراق والبلدان. وإذا كنتَ تُجيد الإنجليزية فإن ذلك سيكون محفزا كبيرا، وفرصة عظيمة لخوض نقاشات عميقة مع الكثير من الناس هنا في هذه المدينة العجيبة، ذلك أن معظم السكان الأصليين، كما الزوار، يجيدون اللغة الإنجليزية. وهذا الذي قد حصل معي بالفعل، وقد كان من بين الذين حاورتهم أحد سكان مدينة فاراناسي، الذي وجدته مستلقيا بجانبي، قرب نهر الگانج ذات يوم أثناء مكوثي هناك.

وقد سجلتُ جزءاً من هذا الحوار، أُضَمّنُه اليومَ هذا المقالَ، وتفاصيله فيما يلي:

– أنت من السكان الأصليين في هذه المدينة، وُلدت فيها وترعرعت، تعرف كل شيء عنها، فما أهميتها من وجهة نظرك؟
– لعلك تعرف أن هذه المدينة تُعرف بوصفها المدينة المقدسة للإله “شيفا”، ويأتي الناس إليها للاغتسال والصلاة في نهر الغانج. ولعلك تعرف أيضا أن الإله “شيفا” هو إله الدمار، يأتي الناس للتوسل إليه كي لا يدمرهم، ولكي يطلبوا عنايته بعائلاتهم. إن الناس في الهند يؤمنون أن المصائب والحوادث المفاجئة هي من فعله، أعني من فعل الإله “شيفا”، فإذا داسهم شخص سكران مثلا، أو شيء من هذا القبيل، فإنهم يعتقدون أن غضب الإله “شيفا” هو الذي حل بهم. فأهمية هذه المدينة من كونها تمثل هذه الرمزية الدينية لدى الهندوس، فهي مدينة سياحية، لكن السياحة فيها هي سياحة روحية.

– أخبرتني أن شيفا واحد من ثالوث الآلهة الرئيسي في الهندوسية، أليس كذلك؟
– بلى، هناك ثلاثة آلهة “براهمان”، “فيشنو” و “شيفا”، ونجمع أفعالهم وقدراتهم تحت مسمى GOD
‏G – generator الإله الخالق براهمان؛
‏ O – operator الإله المسير فيشنو؛
‏D – destroyer الإله المدمر شيفا. فهؤلاء هم الآلهة الرئيسة في الديانة الهندوسية.
-وما هي أهم الطقوس التي يؤديها الناس في هذه المدينة؟
-في الواقع، ليست هناك طقوس وشعائر معقدة جدا، إذ يكفي أن يأتي الناس صباحا لكي يشاهدوا نهر الغانج، مع إشعال البخور وتقديم قربان الورود، ثم بعد ذلك يقومون بأداء الصلاة وينصرفون. فمنهم مَن يغادر مباشرة، ومنهم من يقوم بنزهة في الضواحي والأنحاء، وخاصة يوم الاثنين الذي هو اليوم المخصص للإله “شيفا”. فهذه إذن أهم الطقوس التي تُمارَس في هذه المدينة.

– جميل، نعرف أن لكل ديانةٍ مدينةً معينة، تكون لها رمزية خاصة، فماذا تمثل هذه المدينة في الديانة الهندوسية؟
– بالإضافة إلى ما بينتُ لك سابقا، فإن هذه المدينة هي مدينة المعرفة ومدينة المحرقة معا؛ فأما كونها مدينة المعرفة فلأن بإمكان الناس تعلُّمُ الكثير فيها، كاللغة والموسيقى والثقافة، تستطيع أن تتعلم كل ذلك في هذه المدينة؛ وأما كونها مدينة المحرقة، فلأنها مدينة حرق الجثث؛ إذ يعتقد الهندوس قاطبةً أن من مات هنا فإن روحه قد وصلت مرحلة “النيرفانا”، حيث يتخلص الجسد من الألم والمعاناة التي تحيط به في هذا العالم، وهي مدينة الجنة كذلك.

أنظر إلى هذا الموضع، يأتي الناس إليه، كل صباح، للقيام بالمراسيم الدينية للغسل، وبإمكانك أن تتابع الاحتفالات بإيقاد الشموع هنا كل مساء، في أجواء روحية جميلة. والهندوس يعتقدون أن الغطس في نهر الغانج يطهر الجسد كليا. لأجل ذلك، يأتي حجاج كُـثُرٌ كل يوم لأداء مراسم الغسل هنا في هذا النهر المقدس، قبل أن يذهبوا إلى المعابد الموجودة بجواره.

نعم، مدينة فاراناسي هي مدينة المعابد أيضا، فيها الكثير من المعابد، وهي مدينة آلهة الهندوس الثلاثة، براهمان الخالق، فيشنو الحافظ وشيفا المدمر. أحب هذه المدينة كثيرا، إنني أستطيع الموت هنا بأمان، والصعود إلى الجنة مباشرة. إذا سألتني عن هذه المدينة، فهذا هو شعوري الشخصي تجاهها.

– الكثير ممن لقيتهم هنا يتحدثون عن مفهوم السعادة الحقيقية، وأن حوافزهم في المجيء إلى هنا هو البحث عن هذه السعادة، فما معنى السعادة بالنسبة لك؟
– نعم، هي مطلب عزيز، وغاية كل الناس هنا. ويصعب أن نحدد مفهوم السعادة، لكننا نعرفها جيدا حين نعيشها، إنها تعاش أكثر مما تُعرَّف وتوصف. لكن لو كان عليّ أن أحدد لك شيئا منها فإن معنى السعادة، عندي، أن تحلق روحي ويحلق عقلي وأن أستطيع الشعور بالحب: بحبي لعائلتي، بحبي للعمل بحبي لنهر الغانج وبحبي لسلم النزول إليه، تغمرني السعادة العارمة حين أشعر بكل هذا.

يزول كل ذلك التوتر، الذي يتملكني في العمل، حين آتي إلى هذه الأدراج، و أجلس هنا، أشعر بانتعاش عجيب، يدِقُّ عن الوصف. ومن سعادة حظي أنني أستطيع القدوم كل يوم إلى هنا والجلوس إلى نهر الغانج، وذلك يساعدني في التخلص من القلق والتوتر. مجيئي إلى هنا يشعرني بالتجدد: بداية يوم جديد وحياة جديدة. أستطيع أن أتمتع بلحظاتي السعيدة، وأن أتمتع بلقائك هنا، أستطيع أن أقدر وجود أصدقائي وعائلتي، أن أكون مطمئنا، لا شيء يشوش على فكري، أن أستطيع التمتع بالعمل وبالحياة، وأفوض أمري للقوى الإلهية، ولنهر الغانج؛ فهذا ما يجلب لي السعادة حقا، ويجعل حياتي تسير بسلاسة.

– شرح لطيف للغاية. ذكرت العائلة والأصدقاء، هل لي أن أسألك عن ولائك وانتمائك؟ هل هما للعائلة أو الوطن أو الديانة؟
– لها كلها في الحقيقة! لا أجد تقابلا أو تضادا بينها. أحب عائلتي، وديانتي، وقومي، وثقافتي، أحبهم جميعا سيدي. نعم، وأحترم الديانات الأخرى في بلدي وغيره، أحترم الجميع، وأعتقد أن وجودهم مهم جدا، لا أستطيع كره أي ديانة أو أي قوم في العالم أبدا، تلك عقيدتي التي لا تتزعزع.

لدي أصدقاء مسلمون ومسيحيون وبوذيون، ومن ديانات أخرى كثيرة، أحبهم جميعا. كوّنتُ علاقات طيبة مع الجميع، أزور بيوت الناس من جميع الديانات، لا ألتفت للفروق الدينية والمذهبية، ولا أعتقد أن هذه الفروق مهمة، أو أنها تحدث فارقا، أحب الجميع من غير استثناء. هؤلاء قومي، وهذه مدينتي التي وُلدتُ فيها، ويقيني أن من أعظم النعم في حياتي، من عظيم حظي، أنني ولدت في هذه المدينة، التي يأتيها الناس من بعيد، ليزوروها مرة واحدة في حياتهم، وأنا أعيش هنا كل يوم، أستطيع أداء طقوسي، وحضور شعائر الحرق والنظر إلى الغانج، أستطيع فعلَ ذلك بشكل مستمر. لا شك أن هذا من فضل الإله علي، كما أن من فضله عليّ أن مكنني من مقابلتك، إذ لو لم أولد هنا ما كنت لألتقيك. ما من نعمةٍ تعدِلُ نعمةَ العيش في المدينة المقدسة، مدينة فاراناسي.

– حين تتجول في هذه المدينة، تلاحظ أن هناك تفاوتا طبقيا ملحوظا، فهناك فقراء فقرا مدقعا، وهناك أغنياء غنى فاحشا، فكيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟ وما معنى الفقر والغنى بالنسبة لك؟
– لا أنتبه إلى هذا في الحقيقة، لا ألتفت إلى الغنى المادي، إذ الغنى غير ذلك: الغنى هو محبة الحياة البشرية، أن تشعر بالاحترام للبشر، أن تقدر وجودهم، هذا هو الغنى بالنسبة إلي. لستَ غنيا بما تملك من أموال، لكن بما تملك من مشاعر طيبة للناس. هذا الذي أستطيع قوله في هذا الموضوع.
-شكرا لك، جزيل الشكر. سُعدتُ بهذا اللقاء، وبمشاركتك لي لكل الأفكار الجميلة، كل الشكر والامتنان.

وبعد؛
فلا شك أنك، في نهاية هذا الحوار، ستلاحظ أيها القارئ الكريم أن معظم الأفكار التي عبّر عنها هذا الرجل الهندوسي، المؤمن جدا بهندوسيته، ليستْ تختلف كثيرا عن الأفكار التي عبر عنها هندوسيون آخرون في الحوارين السابقين. القضيةُ كلها تدور حول إرضاء الآلهة، ونيل مباركتها، وتجنب غضبها، وخاصة إله الدمار المسمى عندهم بـ “شيفا”. كما ستلاحظ أن من أهم الموضوعات التي تطغى على الانشغالات الهندوسية هي موضوع السعادة، والوصول إلى حالة النيرفانا، والتخلص من كل الآلم والمعاناة، عبر تطهير الروح وترقيتها، بعد التخلص من كل متع الجسد وآلامها، إنها شيء أشبه بما يسميه الصوفية في ثقافتنا الإسلامية بالفناء، وهو اضمحلال وزوال الشهوات والأوصاف المذمومة عن العبد، أو كما يُعرِّفه أحدهم: “الاشتغال بالحق عن الخلق”. وذلك بالإعراض عن الحظوظ الدنيوية، وصدقُ التوجه إلى الحق سبحانه.

في هذه الحوارات، أحاول أن أُصيخ السمع لهؤلاء الناس، لأتبصّر كيف يفكرون، وما الذي يُحفزهم لأداء طقوس غريبة بشكل متكرر ومستمر. لعلك تجده أيها القارئ الكريم من الفضول الذي لا ينفع في شيء، لكن ما الشيء النافع؟ إذا لم يكن التعرف على ديانة، لها أتباع كثر في العالم، نافعاً، ليس عن طريق التعلم الأكاديمي وقراءة الكتب، لكن عن طريق الوقوف على الممارسات الشعبية، والاستماع إلى الناس العاديين في الشارع، المعتنقين والممارسين لهذه الشعائر، وليس إلى كهنة المعابد والممثلين الرسميين. ثم إن المعرفة بالشيء خير من الجهل به في كل الأحوال. وهذا بديهي لا يكاد يكابر فيه عاقل.