الهواتف الذكية تهدد التواصل البشري وجها لوجه!

69

صحيح أن العالم أصبح قرية صغيرة بفضل التقنيات المتقدمة، التي تطورت بصورة كبيرة خلال العقود القليلة الماضية؛ في الوقت الحاضر، يمكن للمرء بسهولة الاتصال بباقي العالم، فقط باستخدام الأجهزة الإلكترونية، مثل الحواسيب المحمولة، والأجهزة اللوحية، والهواتف الذكية. من بين المميزات الرائعة والمدهشة لهذه الأدوات البلاستيكية هي توفيرها إمكانية نشر المعلومات والأخبار بسرعة، وفي أي مكان بسهولة.

ومع ذلك، فإن هذه الأجهزة ليست بالضرورة مجموعة كاملة من الهدايا المقدمة لمستخدميها؛ ففي الواقع إنها سيف ذو حدين، فهي تؤثر على الرفاه الاجتماعي للعديد من المستخدمين، لذلك يجب أن يتوخى المستخدمون الحذر بشأن اللحظة التي يصلح فيها استخدام هذه الأجهزة، وتوقيت عدم استخدامها؛ يجب أن يضعوا في اعتبارهم أن كل سوء استخدام أو إفراط في الاستخدام قد يكلفهم غاليا، لأن الهواتف الذكية قد تقوض وتختصر وتهدد التواصل وجها لوجه بين أفراد الأسرة والأصدقاء، وبين الشركاء في أي إطار عموما.

فعلى سبيل المثال، التعلق العاطفي والبدني بهاتف ذكي خلال اليوم بالكامل، سيؤدي إلى تخريب العديد من العلاقات بين أفراد المجتمعات الإنسانية، بسبب الرغبة في مطالعة الشاشات الصغيرة بين الحين والآخر، وكنتيجة لذلك ستتباعد المجتمعات إلى أجزاء بعد أن كانت مترابطة بتواصلها الواقعي، إذ قد يبدو أعضاؤها كأن بعضهم غريب عن بعض.

وفقا لمجلة Psychology of Popular Media Culture فإن العديد من العلاقات تأثرت بالاستخدام المكثف للهواتف الذكية، حيث أجري استطلاع عبر الإنترنت من قبل باحثين من جامعة “بن” وجامعة “بريهام”، من خلال إجراء مقابلات مع 143 امرأة، وسئلن عما إذا كانت الهواتف الذكية تتداخل مع علاقاتهما الحميمة أم لا؛ كانت النتائج صادمة، حيث اعترفت 74 بالمائة من هؤلاء النسوة بأن الهواتف الذكية لشريكهم قاطعتهم أثناء تشاركهم لحظات خاصة حول طاولة العشاء؛ وبالتالي يبدو أنه حين يوجد ميل لتفقد الأجهزة والرسائل النصية للأصدقاء فمن المحتمل أن يشعر الشريك بعدم اهتمام شريكه به، بل قد يَعتبر هذا التصرفَ مؤذيا.

منذ سنوات عديدة، قدم لنا والدي قاعدة ذهبية في آداب وأسلوب التعامل داخل أسرتنا، إذ فرض حظرا على استخدام الهواتف الذكية خلال الاجتماع لتناول الوجبات العائلية، خاصة في الوجبات الرئيسية كالغداء والعشاء، وهي بمثابة تجمع ضروري في كل عائلة مغربية، حيث يحضره جميع أفراد الأسرة؛ كما لم يُسمح لنا باستخدام هواتفنا خلال المناسبات المهمة جدا، مثل الأعياد الدينية؛ الفكرة في هذه القاعدة الذهبية هي مواكبة تقاليد أسلافنا وتراثهم، حين كانت وجبات المائدة في الأيام الماضية فرصة للتواصل الاجتماعي والحوارات الدافئة بين أفراد الأسرة.

من الممتع جدا قضاء وقت برفقة الأصدقاء والأقارب، إذ يسود تشارك القيم الاجتماعية بصورة أفضل من ذلك الاتصال الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ففي الزمن الغابر صرح أرسطو أن “الإنسان هو في الأساس كائن اجتماعي بطبعه”، هذا يعني أن البشر يهدفون إلى التواصل والتعارف في المجتمع، لكن لسوء الحظ عندما تنظر حولك في أيامنا سرعان ما ستدرك كيف تحول هذا التواصل الحي والمثمر بين الناس إلى علاقات إلكترونية جافة على هواتفهم الذكية.

يقول براندن ت. ماكدانييل، من جامعة ولاية بنسلفانيا: “من المحتمل أن تكون هذه عملية دائرية يقع فيها الأشخاص في أماكن تسمح فيها التكنولوجيا بالتدخل -ولو بمقدار صغير- في علاقة واحدة على الأقل تؤدي أحيانا إلى صراع، مما قد يؤدي إلى تآكل ببطء في الواقع؛ كانت العديد من العلاقات تحت ضغط كبير، وقد تجادل العديد من الأزواج واختلفوا بشدة، بسبب إدمان استعمال الهواتف الذكية، حتى إن علاقات بعضهم انتهت إلى طريق مسدود بسبب ذلك.

حضرت مرةً إحدى جلسات محكمة الأسرة، التي كانت مفتوحة للطلاب الذين كانوا مهتمين بتشريعات قانون الأسرة؛ كان الجو حارا جدا في يوم خميس من شهر أبريل؛ في قاعة المحكمة، حيث تدفقت جحافل الناس وتكدست، دخلت الغرفة الرئيسية، وجلست في الصف الأخير في انتظار بدء القضية؛ ثم اتضح أن زوجين شابين طلبا الانفصال القانوني، وقفا أمام القاضي ينتظران حكمه بانفصالهما، والسبب كان فقط الاستخدام المفرط للهاتف الذكي من قبل الزوج، إذ كانت الزوجة، التي بدا عليها أنها مثقفة جدا، ذات دوافع واضحة للحصول على طلاقها، حتى إنها قالت للقاضي كلاما يبدو طريفا لكنه يحمل دلالات عميقة، قالت إن زوجها كان متزوجا من هاتفه الذكي!

والأسوأ من هذا الواقع الذي عاشته هذه المرأة مع زوجها هو ما كانت تشعر به من إهمال، إذ أصبحت تدرك، بسبب إدمان زوجها على استعمال هاتفه، أن دورها في البيت يقتصر على المطبخ وغرفة النوم فقط؛ أما زوجها فحين تحدث إلى القاضي أقرَّ تماما بأنه كان مهووسا بتفقد هاتفه باستمرار، وإمضاء ساعات طويلة يوميا في تصفحه، على الرغم من أنه حاول عدة مرات الحد من هذا الإدمان، ولكن دون جدوى حسب كلامه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من الهوايات والأنشطة تشهد تراجعا لحساب الهواتف الذكية التي باتت تشغل حياة البشر؛ دعونا ننظر في مثال السياحة، حيث من المفترض أن يستمتع السياح بالمناظر الطبيعية أو المعالم والآثار التي يزورونها، لكن الحقيقة غير ذلك، إذ أصبح السياح أقل حماسا للاستمتاع بالجمال من حولهم، فبدلا من ذلك بات تركيزهم ينصب على أخذ الصور بهواتفهم، لنشرها والتفاخر بها على وسائل التواصل الاجتماعي، والسعي إلى حصد أكبر قدر من الإعجابات والتعليقات، ناهيك عن أولئك الذين يمضون مدة طويلة في غرفهم بالفندق لتصفح الإنترنت ونشر ما التقطوا من صور، ليجدوا أنفسهم بعد نهاية عطلتهم وجولتهم السياحية لا يمتلكون أكثر من بضع صور سرعان ما ستختفي من عقولهم، بيد أنه كان حريا بهم أن يستمتعوا بلحظات من المتعة الحقيقية في التجول وتأمل جمال الطبيعة، وجمال التواصل الحقيقي مع من حولهم.

بعد كل هذا الكلام عن التكنولوجيا ومساوئها، من المهم أن نوضح أننا لا ندعو بذلك إلى شن حملة لمقاطعة التكنولوجيا أو حرمان أنفسنا من مزاياها، لكن ينبغي علينا أن نفكر جيدا، وأن نطرح السؤال: إلى من ينبغي توجيه اللوم في استعمالنا الخاطئ لها؟

مقالات مرتبطة

أصناف الناس..

حفظ الكليات الخمس..

أدلة الغيبيات

أظن أن الإجابة واضحة لكل من يستخدم تفكيره النقدي؛ المفتاح هو الحرص على التوازن في استخدام هذه الأجهزة الذكية، وعدم القبول أبدا بتحويلها إلى عائق يحول دون بناء علاقاتنا الإنسانية وتواصلنا الاجتماعي على أرض الواقع”.

من المعلوم أن اختراع الهواتف الذكية كان لإضافة قيمة إلى حياة مستخدميها، وليس لجعل حياتهم بائسة ومليئة بالمشاكل والخلافات؛ لذلك، فإن المطلوب من الجميع هو الاستخدام الرشيد لهذه الأجهزة، لمنع أي احتمال لحصول سوء فهم بين الأزواج، وبين الناس عموما.

دعونا نتعرف على بعضنا وننفصل عن هواتفنا ونبقيها بعيدة عنا لمدة من الوقت، حتى نعود إلى حياتنا الاجتماعية، كما كانت قبل اختراع هذه الأجهزة.

بقلم: خالد أوزقيد

ترجمة: تيسير بوتشيش.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.

المراجع:

Daria, K. (2015). Connections Are not Conversations While Technology Enables It Can Also Interfere. The Conversation. Retrieved from:

https://theconversation.com/connections-arent-conversations-while-technology-enables-it-can-also-interfere-51689

Hiyaguha, C. (2014). Smartphones Killing Relationships. Natural Health Blog. Retrieved from:

https://jonbarron.org/happiness-mental-health/smartphones-killing-relationships

Marjorie, S. M. (2014). Disconnected Study Suggests Technology Interferes Couple. PennState News. Retrieved from

http://news.psu.edu/story/337901/2014/12/10/research/disconnected-study-suggests-technology-interferes-couple